المقالات

إصلاح التعليم يبدأ من المعلم

ليس التعليم كتابًا يُفتح في الصباح ثم يُغلق عند نهاية الحصة، ولا هو مناهج تُحفظ واختبارات تُجتاز؛ إنما هو مشروع طويل لصناعة الإنسان، تبدأ ملامحه من المعلم قبل أن تبدأ من الكتاب، ومن مكانة المهنة في وجدان المجتمع قبل أن تظهر في نتائج الاختبارات. ولذلك، فإن السؤال عن ضعف مخرجاتنا التعليمية لا ينبغي أن يتوقف عند المدرسة أو الجامعة، بل يجب أن يمتد إلى المجتمع الذي يختار، ويقدّر، ويمنح المكانة، ويحدد ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ من يستحق أن يقف أمام أبنائه معلمًا. ومن هنا تبدو قضية المعلم ليست شأنًا وظيفيًا فحسب، بل قضية وطن ومستقبل؛ لأن الأمم قد تبني المدارس في سنوات، لكنها تحتاج أجيالًا من المعلمين لبناء العقول التي تصنع نهضتها.

قد يبدو هذا العنوان غريبًا، لكنه ـ في اعتقادي ـ من أكثر العناوين تعبيرًا عن إشكالية تدني مستوى المخرجات التعليمية في بلادنا؛ ذلك أننا حين نناقش هذه القضية ندور في دائرة مغلقة: الجامعات تلوم المدارس على ضعف مستويات خريجيها، والمدارس تلوم الجامعات؛ لأن المعلمين من خريجيها. وهكذا تتبادل حلقات المنظومة التعليمية المسؤولية، دون أن نصل إلى أصل المشكلة.

وعلى الرغم من أن التعليم العام والجامعي يتحملان قدرًا من المسؤولية، فإن ثمة قدرًا آخر تتحمله الأسرة والمجتمع؛ فمجتمعنا العزيز يمنح الطبيب والمهندس مكانة اجتماعية كبيرة، بينما لا يحظى المعلم بالمكانة ذاتها، رغم أن الطبيب يعالج الجسد، والمهندس يبني المنشآت، أما المعلم فيشارك في بناء الإنسان الذي يصنع كل ذلك.

عندما يتخرج الأبناء بامتياز، ينتظر منهم الوالدان والأقارب والأصدقاء أن يكونوا أطباء أو مهندسين أو في تخصصات ذات مكانة اجتماعية مرموقة. والنتيجة الطبيعية لهذا الضغط المجتمعي أن يتوجه كثير من النوابغ إلى الكليات الطبية والهندسية وما شابهها، بينما تصبح كليات إعداد المعلمين، في بعض الحالات، خيارًا لمن لم يجد نفسه في التخصصات الأخرى. ومن هنا تبدأ الحلقة الأخطر: ضعف الإقبال على مهنة التعليم من أصحاب القدرات العالية، ثم ضعف بعض مخرجات التعليم العام الذي يقوم عليه معلمون لم تكن مهنة التعليم خيارهم الأول.

وتقدم التجربة الفنلندية مثالًا جديرًا بالتأمل؛ فقد حققت فنلندا نتائج متقدمة في الاختبارات الدولية، وأصبحت تجربتها التعليمية موضع اهتمام عالمي. ومن أبرز سمات هذه التجربة العناية الكبيرة باختيار المعلمين وإعدادهم، ورفع مستوى مهنة التعليم، بحيث لا ينظر إليها بوصفها وظيفة عادية، بل باعتبارها مهنة تتطلب قدرًا عاليًا من الكفاءة والقدرة والتميز.

ويشير الدكتور باسي سالبرغ، أحد أبرز الباحثين في التجربة التعليمية الفنلندية، في كتابه «دروس فنلندية» إلى أهمية التخلص من بعض الممارسات التي تثقل كاهل النظام التعليمي، مثل الإفراط في كثافة المواد والاختبارات والواجبات، وإطالة ساعات الدراسة، والاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية. والفكرة الأهم هنا أن إصلاح التعليم لا يبدأ بكثرة الإجراءات، وإنما بإعادة بناء فلسفته واختيار عناصره البشرية بعناية.

فهل نجد في واقعنا التعليمي شيئًا من ذلك؟ أم أننا نواجه أحيانًا ممانعة مجتمعية كلما حاولت الجامعات تشديد شروط القبول في برامج إعداد المعلمين؟ إن أي تصحيح جذري لمساراتنا التعليمية يجب أن يبدأ من إعادة صياغة نظرة المجتمع إلى المعلم، عبر محورين أساسيين: الاحترام والشعور بالمكانة، والاشتراطات الصارمة لاختيار من يليق بهذه المهنة.

إن إصلاح التعليم يبدأ، في جوهره، من إصلاح الصورة التي يحملها المجتمع عن المعلم. فالمعلم ليس محطة عابرة في رحلة الطالب، بل هو اليد التي تمسك أول خيط في نسيج المستقبل، والعقل الذي يوقظ في عقول الناشئة شغف المعرفة، والبذرة التي قد تتحول بعد سنوات إلى طبيب أو مهندس أو عالم أو قائد. ومن ثم، فإن رفع مكانة المعلم لا ينبغي أن يكون شعارًا احتفاليًا، بل سياسة تعليمية ومجتمعية تبدأ من حسن الاختيار، وصرامة التأهيل، وجاذبية المهنة، وتقدير أصحابها ماديًا ومعنويًا. فإذا أردنا مخرجات تعليمية مختلفة، فعلينا أن نبدأ بمن يصنعها؛ وإذا أردنا جيلًا استثنائيًا، فعلينا أن نمنح المعلم الاستثنائي مكانته. فالأمم لا تُقاس فقط بما تشيده من مبانٍ، وإنما بما تبنيه من عقول؛ والمعلم هو أول البنّائين.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى