
استيقظتُ الشهر الماضي على كابوسٍ أرَّقَ مضجعي، وأقلقَ فكري، كابوسٌ لم يكنْ من نسجِ الخيالِ بقدرِ ما كانَ نبأً أفزعَ كلَّ منْ يَعِي قيمةَ العلمِ ورسالته الأكاديمية، ذلك الكابوسُ كانَ خبرَ إلغاء كليةِ علومِ الأرضِ الرائدة بجامعةِ الملكِ عبدِ العزيز، تلك الكليةُ العريقةُ التي تأسست عامَ 1390هـالموافق 1970م، تحت مسمى مركز الجيولوجيا التطبيقية، والتي ظلتَّ طوالَ خمسةِ عقودٍ منارةً علميةً فريدةً في الشرقِ الأوسط، تخرَّجَ منها عُلماء، ووزراء ورجال دولة ساهموا بكلِّ اقتدارٍ في بناءِ هذا الوطنِ الغالي.
لقد أفاقَني الكابوسُ على قرارٍ بتحويلِ هذه الكليةِ الشامخةِ إلى كليةٍ للتعدينِ فقط، وكأنَّنا نخلطُ بينَ الأصلِ والفرعِ، ونضعُ الأساسَ تحتَ أحدِ فروعِه، (فالتعدينُ مهما بلغتْ أهميتُه) ليسَ إلا جزءاً منْ ذلكَ العلمِ الشاملِ المعروف بـ “علومِ الأرض”، والذي يشملُ فروع متعددة كالثروة المعدنية، والهيدروجيولوجيا، والزلازلَ، وعلم الجيولجيا الهندسية والبيئةِ، والجيوفيزياء، بل وحتى البترولُ هو فرعٌ من فروعِ هذه الشجرةِ العلميةِ،والتي مدّت خلال العقود الماضية أكبر شركة بترول في العالم بالعديد من الجيولوجييين والجيوفيزيائيين، فكيفَ يُعقلُ أنْ نُخضعَ الأصلَ للفرعِ، ونجعلَ علمَ الأرضِ مجردَ أداةٍ لتخدمَ قطاعاً واحداً؟!
وهنا لا بدَّ من التوقفِ والتساؤل: هل بُنيَ هذا القرارُ على قيمٍ مرجعيةٍ راسخةٍ؟ أم أنه صدرَ دونَ الاستنادِ إلى دراساتٍ معمقةٍ أو مقارناتٍ مع جامعاتِ الدولِ الرائدةِ في هذا المجال؟ فلو نظرنا إلى كبرى الجامعاتِ العالميةِ، كجامعةِ كامبريدج، وستانفورد، ومعهدِ كاليفورنيا للتكنولوجيا وغيرها من الجامعات العالمية الرائدة، لوجدنا أنَّ علومَ الأرضِ تُدرسُ ككيانٍ مستقلٍّ أو كقسمٍ رئيسيٍّ ضمنَ كليةِ العلوم، ولم نسمع قطُّ عن قرارٍ بإلغائها لصالحِ التعدينِ وحده، إنَّ الاهتمامَ بقطاعِ التعدينِ أمرٌ مطلوبٌ وضروريٌّ، خصوصاً في ظلِّ رؤيةِ المملكةِ 2030م، التي توليه أولويةً كبرى، لكنْ ليسَ من المنطقِ ولا منَ العلمِ في شيءٍ أنْ يُلغى علمٌ عريقٌ وشاملٌ ليتحولَ إلى فرعٍ ضيقٍ من فروعِه، فالإصلاحُ لا يكونُ بالحذفِ، بل بالتطويرِ والإثراءِ.
كذلك لدي تساؤل هام، ماذا عن الطلبةِ، أولئك الذينَ التحقوا بشغفٍ بكليةِ علومِ الأرضِ ليصبحوا جيولوجيينَ وخبراءَ في المياهِ والبيئةِ والاستشعارِ عن بعدِ والمخاطر الجيولوجية وجيولوجيا البترول؟!، فكيفَ سيشعرونَ حينَ يفاجؤونَ بأنَّ هويتَهم الأكاديميةَ وشهاداتِهم ستُكتبُ عليها “كليةُ التعدينِ”؟! أليسَ هذا انتقاصاً من قيمةِ تخصصاتِهم التي اختاروها برغبة وإقتناع؟.
إنَّ الحفاظَ على حقوقِ الطلبةِ لا يقتصرُ على استكمالِ خططِهم الدراسيةِ فحسبُ، بل يمتدُّ إلى الحفاظِ على مستقبلِهم المهنيِّ وهُويتِهم العلميةِ التي قد تتأثرُ بمثلِ هذه التغييراتِ الجذريةِ المتعجلةِ.
ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ أملي، الذي أتمنى أنْ يصل إلى أصحابِ القرارِ في وزارةِ التعليمِ، هو ألَّا تُلغى كليةُ علومِ الأرضِ، بل أنْ تبقى كياناً مستقلاًّ يعكسُ مكانتَها العلميةَ، أو أنْ تُدرجَ ضمنَ كليةِ العلومِ لتكونَ جزءاً منَ المنظومةِ الأكاديميةِ الأساسيةِ، مع تطويرِ برامجِها لتشملَ كلَّ فروعِ العلمِ الحديثةِ، وأنْ يُنشأُ إلى جوارِها برنامجٌ أو معهدٌ أو مدرسة متخصصٌة في التعدينِ يُلبِّي احتياجاتِ السوقِ مثل ماهو معمول في معظم الدول العالمية، دونَ أنْ يكونَ ذلكَ على حسابِ هويةِ كلية علومِ الأرضِ وتاريخِها العريقِ.
كما أقترح أن تتبني وزارةِ الطاقةِ الكليةِ، والإشرافِ عليها، كما هو الحالُ مع جامعة الملك فهدٍ للبترول والمعادن وجامعةِ الملكِ عبدِ الله للعلومِ والتقنيةِ (كاوست)، فهي فكرةٌ تستحقُّ النظرَ، شريطةَ أنْ تكونَ رعايةُ الوزارةِ داعمةً لتوسيعِ آفاقِ البحثِ العلميِّ في مجالاتِ علومِ الأرضِ كافةً، لا أنْ تكونَ مُقيِّدةً لها، أو موجَّهةً فقطْ نحوَ صناعةِ التعدينِ، فالعلمُ لا يُختزلُ، والتنميةُ المستدامةُ تحتاجُ إلى رؤيةٍ أشملَ وأعمقَ.
في الختام، أتمنى أنْ يظلَّ الكابوسُ الذي أيقظني وأيقظ غيري مجردَ كابوسٍ عابرٍ، وأنْ تنتبهَ العقولُ المستنيرةُ وأصحاب القرار إلى خطورةِ اختزالِ علمٍ هو مفتاحُ فهمِ كوكبِنا، وثروتُنا الحقيقيةُ للأجيالِ القادمةِ، إنَّ بقاءَ كليةِ علومِ الأرضِ واستقلالَها والحفاظ عليها وعلى مكتسباتها هو استثمارٌ في مستقبلِ الوطنِ، وحفاظٌ على إرثٍ علميٍّ لا يُعوَّضُ.
بقلم/ حسان المرزوقي
–مستشار هيئة المساحة الجيولوجية السعودية.
—عضو خبراء المعادن والطاقة بالأمم المتحدة.







