الحلقة 12
لا ينبغي أن نبدأ فهم حكاية تأسيس الرياضة السعودية من الورق الرسمي المختوم ولا من المكاتب الإدارية التي جاءت لاحقًا؛ فالقصة بدأت من رجلٍ سبق المؤسسة، ووقف في وسط الملعب بكل حضوره الفاعل، كان يرى نقصًا يتسلل من زاوية، فيسدّه. يلمح فجوةً في الطريق، فيردمها. يكتشف خطوةً متعثرة فيمضي ليدعمها. لم يكن ينتظر أن تتكوّن المؤسسة كي يعمل؛ كان هو الذي يدفعها لتتشكل، ويصوغ ملامحها الأولى بحدسٍ يشبه حدس الروّاد حين يلتقطون شرارة النهضة قبل أن يراها الآخرون.
ولعل الأهم من ذلك أن هذا المشروع لم يكن ليكتب له النجاح لولا أن الفرق الرياضية ومحبي كرة القدم والرياضيين عمومًا وجدوا في الأمير عبدالله الفيصل قائدًا يحمل همومهم، ويشاركهم طموحاتهم، ويؤمن بأن الرياضة رسالة تربوية ووطنية قبل أن تكون مجرد منافسة على بطولة أو كأس. فالتفوا حوله، وساندوا خطواته، فكان وجودهم من عوامل الجذب الرياضي التي ألهمت الرائد القيام بخطوته وتنفيذ مشروعه.
• الاتحاد في رعاية عبدالله الفيصل
ولتسليط الضوء على ذلك، يمكن التوقف عند مثال عملي مهم يتمثل في مباراة فريق الاتحاد أمام فريق البارجة البريطانية “جون هور”، التي أقيمت في 24-5-1369هـ، وانتهت بفوز الاتحاد بهدفين دون مقابل. فقد أسهم هذا الانتصار في زيادة الاهتمام الرسمي والشعبي بما يقدمه الفريق من مستويات ونتائج رياضية مشرّفة، وأصبح صدى تلك الانتصارات يتردد في الأوساط الرياضية والاجتماعية، لتدخل الرياضة السعودية منعطفًا جديدًا، مع تزايد إسهامات الأمراء والأعيان وغيرهم في دعم الأندية والرياضيين ماديًا ومعنويًا. وكان ذلك من المقدمات المهمة التي مهدت لاحقًا لقيام التنظيمات الرياضية الرسمية تحت إشراف الدولة.
وكان الأمير عبدالله الفيصل يدرك أهمية هذا الظهور الكروي المشرف، وما أحدثته النتائج الإيجابية من أصداء وتقدير ودعم رسمي وشعبي؛ فتولى جانبًا كبيرًا من هذه الرعاية. وكانت المباراة التي خاضها الاتحاد أمام الفريق البريطاني بمثابة شرارة أولى أشعلت اهتمام الأمير عبدالله الفيصل بهذا النادي.
ومن شدة إعجابه بما قدمه لاعبو الاتحاد، بادر إلى مكافأة الفريق بالتبرع بمبلغ ألف ريال، إضافة إلى بدلتين رياضيتين لكل لاعب، في لفتة حملت دلالة كبيرة على طبيعة العلاقة التي بدأت تتشكل بين الأمير والنادي، وعلى التحول الذي كانت الرياضة السعودية مقبلة عليه.
ومع توالي نجاحات الاتحاد، ارتفعت احتياجاته بوصفه فريقًا يطمح إلى تحقيق المزيد من التفوق، وتعزيز حضوره الرياضي فبدأ النادي يبحث عن مظلة رسمية ترعاه وتسانده. وفي هذا السياق، عقد مجلس إدارة النادي اجتماعًا تاريخيًا في 27/2/1370هـ لبحث شؤون الاتحاد، وانتهى الاجتماع إلى رفع التماس إلى الأمير عبدالله الفيصل، للموافقة على وضع الفريق تحت رعايته، باعتباره راعيًا للرياضة. وقد لقي هذا الطلب الصدى المرجو لدى الأمير عبدالله الفيصل، فاستجاب له، وبدأت مرحلة جديدة من دعمه للاتحاد بصورة خاصة، وللأندية والرياضة السعودية بصورة عامة فمهّدت الطريقَ أمام التنظيم الرياضي الرسمي في المملكة.

• توسيع المنافسة الكروية بـ”رد القازوزة”
لم يكتفِ الأمير عبدالله الفيصل بذلك النطاق المحدود من التنافس الرياضي، بل أخذ يشجع الاتحاديين على خوض المزيد من اللقاءات، وتوسيع دائرة المنافسة أمام الفريق. غير أن تفرد الاتحاد بالساحة الرياضية في جدة، وغياب فرق محلية قوية قادرة على مجاراته، دفع القائمين عليه إلى البحث عن منافسين من فرق الجاليات.
وفي ذلك الوقت، كان في جدة فريق بارز من أبناء الجالية السودانية يُعرف باسم “الشبيبة”، وكان يُعد من أقوى فرق الجاليات المتواجدة آنذاك. واتفق الاتحاديون معه على إقامة مباراتين بنظام “رد القازوزة”، كما كان يُسمى حينها، أي بنظام الذهاب والإياب المعروف حاليًا.
وخاض الفريقان المباراتين وسط اهتمام جماهيري متزايد، وتمكن الاتحاد من حسمهما لمصلحته؛ فجاء انتصاره الأول يوم 2/8/1369هجري بنتيجة هدف دون مقابل، ثم كرر الفوز بالنتيجة نفسها في المباراة الثانية.
ولم يكن انتصار الاتحاد الثاني سهلًا، إذ عزز فريق «الشبيبة» صفوفه بثلاثة من أبرز لاعبيه، وهم عبدالحفيظ ميرغني، والشقيقان زكي وعبدالحليم داود، إلا أن ذلك لم يمنع الاتحاد من تحقيق الفوز وتأكيد تفوقه. وبهذا الانتصار المزدوج على أحد أقوى فرق الجالية السودانية في جدة، عزز الاتحاد مكانته وبسط نفوذه على الساحة الرياضية في مدينته، وأصبح الفريق الأبرز فيها، في الوقت الذي كان فيه فريق الوحدة يمثل فارس الساحة الرياضية في مكة المكرمة.
وهكذا أخذت المنافسة الرياضية في المنطقة تتشكل تدريجيًا، وبدأت ملامح خارطة كروية جديدة في الحجاز بالظهور؛ جدة لها اتحادها الذي يفرض حضوره، ومكة لها وحدتها التي تتصدر مشهدها، فيما كان الأمير عبدالله الفيصل يدفع بالرياضة نحو آفاق أوسع، ويشجع الأندية على الاحتكاك والمنافسة وتطوير مستواها.
• عبدالله الفيصل “عرّاب” ديربي جدة
كان واضحا حرص الأمير عبدالله الفيصل اهتمامه بكرة القدم على أن تظل شعلة المنافسة متقدة بين الفرق المحلية؛ إيمانًا منه بأن التنافس الرياضي هو الطريق إلى تشجيع اللاعبين، وتوسيع قاعدة ممارسة الرياضة، وحث الأندية على الارتقاء بمستواها وتطوير اللعبة.
وإلى جانب التنافس القوي الذي كان يجمع بين الاتحاد والوحدة، أدرك الأمير عبدالله الفيصل، ببُعد نظره ورؤيته لمستقبل الرياضة في المملكة، أهمية دخول طرف ثالث إلى دائرة المنافسة. ومن هنا جاءت فكرته بتنظيم لقاء كبير بين الاتحاد والأهلي بجدة تحت رعايته، مع تخصيص جوائز قيمة للفريق الفائز. وأقيمت المباراة يوم الجمعة 16/6/1370هـ على ملعب الأهلي بجدة، وانتهت بالتعادل السلبي، في مواجهة عكست حجم التنافس المتنامي بين الفريقين الجارين.
• الاتحاد يواجه الاهلي بالصف الثاني
لم تكن تلك المباراة الأولى بين الاتحاد والأهلي؛ فقد سبقتها مواجهة تعود إلى عام 1357هـ، وهو العام الذي تأسس فيه الأهلي. وحينها تقدم الأهلاويون بطلب إقامة مباراة مع الاتحاد، فوافق الاتحاديون، لكنهم دفعوا بالصف الثاني لخوض اللقاء.
ورغم ذلك، جاءت المباراة قوية ومشحونة بالتنافس، وظهر على اللاعبين قدر كبير من التوتر، حتى بدا وكأنهم يلعبون بأعصابهم قبل أقدامهم. وتكررت الأخطاء من الفريقين نتيجة الهجمات المتبادلة، وانتهى اللقاء بالتعادل دون أهداف.
وبعد المباراة، وقع ما يشبه التحدي بين رئيس الأهلي حسن شمس وقائد الاتحاد حمزة فتيحي، حين قال شمس للفتيحي:
“مين من اللاعبين كان ينقص الاتحاد؟ كلهم لعبوا ما عدا أنت وعلي يماني”.
وكانت تلك المواجهة، رغم بساطتها في ذلك الوقت، نواةً أولى لشجرة التنافس المحتدم بين الجارين، ذلك التنافس الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز ملامح الحياة الرياضية في جدة.
• الاتحاد يعود بكامل نجومه
وفي مواجهة لاحقة، خاض الاتحاد المباراة بكامل نجومه، وتمكن من تحقيق الفوز أيضاً، الأمر الذي جعل الأهلي يتجنب مواجهة الاتحاد لفترة طويلة، متذكرًا تلك المواجهة وما حملته من إثارة وتحدٍّ وأول خسارة. واستمر هذا الوضع سنوات، حتى جاء الأمير عبدالله الفيصل ليعيد إشعال جذوة المنافسة بين الفريقين، عندما جمعهما في مباراة عام 1370هـ التي انتهت بالتعادل، لتعود المواجهات بين الجارين إلى الواجهة من جديد.
ولم يكتفِ الأمير عبدالله الفيصل بذلك، بل نظم في العام نفسه لقاءً آخر بين الفريقين. وإذا كانت المباراة الأولى قد اتسمت بالقوة والاحتكاك وانتهت بالتعادل، فإن المواجهة الثانية جاءت أكثر قوة وإثارة، خصوصًا مع الجوائز المغرية التي رصدها الأمير عبدالله الفيصل تحفيزًا للفريق الفائز. وكانت الجوائز ساعة ذهبية لكل لاعب، وأحد عشر رسمًا شخصيًا للأمير عبدالله الفيصل موقّعة منه بكلمة إهداء للاعبين، إضافة إلى رسم مجسم خُصص لرئيس النادي الفائز.
• احتجاج أهلاوي.. حسمه عبدالله الفيصل
وفي خضم سجال المباراة، تمكن عبدالحفيظ ميرغني من تسجيل هدف الاتحاد الوحيد بضربة رأس، إثر كرة مباشرة رفعها اللاعب زكي داود.
لكن الهدف أثار احتجاج لاعبي الأهلي الذين لم يعترفوا بصحته، واحتدمت الخلافات حول مشروعيته. وهنا تدخل الأمير عبدالله الفيصل بحكمته وحسم الموقف، مؤيدًا قرار حكم المباراة وصحة الهدف، ليُعلن الاتحاد فائزًا باللقاء.
غير أن حنكته لم تتوقف عند حسم النتيجة؛ فقد آثر عدم توزيع الجوائز على لاعبي الاتحاد في حينه، وانتظر حتى اليوم التالي، بعد أن هدأت حدة الاعتراضات وعادت النفوس إلى صفائها، ثم قام بتسليم الجوائز.
كان لهذا الانتصار أثر بالغ في نفوس الأهلاويين، وشعر الاتحاديون بأن خصمًا جديدًا بدأ يفرض نفسه على الساحة. لذلك سارعت إدارة الاتحاد إلى توطيد علاقتها مع أهلي مكة المكرمة، سعيًا إلى تعزيز أواصر المحبة وإقامة نوع من التحالف الرياضي بين الفريقين، تحسبًا للمنافسات والمفاجآت التي قد يفرضها أهلي جدة مستقبلًا.
وتوثيقًا لهذه العلاقة، أقيمت مناورة ودية بين الاتحاد وأهلي مكة، كما أقام الاتحاديون حفلًا خاصًا بهذه المناسبة، ودُعي إليه الأمير عبدالله الفيصل، إلى جانب وزير الدولة الأسبق الشيخ حمد السليمان.
وهكذا لم يكن دور عبدالله الفيصل مجرد رعاية مباراة أو تقديم جوائز؛ بل كان يسعى إلى صناعة المنافسة نفسها، وإيجاد بيئة رياضية تدفع الأندية إلى التطور والاحتكاك والتحدي. ومن رحم تلك اللقاءات المبكرة بدأت ملامح واحدة من أشهر المنافسات الرياضية في تاريخ جدة تتشكل، قبل أن تتحول لاحقًا إلى ديربي تاريخي تتجدد حكايته مع كل مباراة.

• الاتحاد يتحدى الوحدة ويؤكد الزعامة
قبل نهاية الستينيات الهجرية، لم تكن قد أُقيمت أي مواجهة بين الاتحاد والوحدة، غير أن المؤشرات على الساحة الرياضية كانت تنذر بحتمية اللقاء. فقد فرض الوحدة سيطرته على فرق مكة المكرمة، وذاع صيت تفوقه، ووصلت أخبار تلك الهيمنة إلى الاتحاديين في جدة، فقرروا اختبار قوتهم أمام فارس مكة، وبادروا إلى طلب إقامة مباراة بين الفريقين.
وافق الوحداويون على خوض المواجهة، لكنهم اشترطوا أن تُقام مباراتان، تكون الأولى في جدة والثانية في مكة، حتى تتاح لكل فريق فرصة اللعب على أرضه.
وفعلا أقيمت المباراة الأولى في 9/8/1369هـ وتمكن الاتحاد من تحقيق الفوز، إلا أن الاتحاديين اعتذروا عن خوض المباراة الثانية في مكة، بحجة ارتباطات تخص عددًا من لاعبي الفريق.
لم يقبل فريق الوحدة بهذا الاعتذار، فتقدم بشكوى إلى المسؤولين في وزارة الداخلية، وتم إلزام الاتحاد بخوض المباراة الثانية، التزامًا بالاتفاق الذي سبق أن أبرمه الفريقان. وهكذا تجدد اللقاء في مكة، وسط ترقب كبير لمعرفة ما إذا كان الاتحاد قادرًا على تكرار انتصاره. وجاءت الإجابة حاسمة؛ إذ تمكن الاتحاد من الفوز مجددًا، وهذه المرة بنتيجة 3/1 وكان نجم المباراة مهاجم الاتحاد صالح زهران، الذي سجل الأهداف الثلاثة كاملة، في ما يُعرف بلغة كرة القدم الحديثة بـ”الهاتريك”. ولم ينتظر صالح زهران طويلًا لافتتاح مهرجان أهدافه؛ فقد جاء هدفه الأول بعد نحو 90 ثانية فقط من بداية المباراة. وما إن اهتزت شباك الوحدة حتى انفجرت مدرجات الاتحاد بالهتاف:”هُس هُس.. جبنا هدف في دقيقة ونص!” ثم واصل صالح زهران تألقه، وأكمل ثلاثيته، ليقود الاتحاد إلى انتصار كبير على أحد أقوى فرق مكة في ذلك الوقت.
وبهذا الفوز، عزز الاتحاد مكانته أمام أقوى منافسيه في مكة، لتتأكد زعامته على الساحة الكروية في جدة ومكة المكرمة، وتترسخ مكانته كقوة رياضية صاعدة في المنطقة. وعلى إثر ذلك، تلقى الفريق دعوة للمشاركة في احتفال سفارة باكستان بعيدها الوطني، حيث واجه الفريق الباكستاني في مباراة حضرها الملك فيصل، وكان حينها نائبًا للملك في الحجاز، إلى جانب القائم بأعمال المفوضية الباكستانية وعدد من رجال السلك السياسي والأجنبي. كما حضر المباراة رائد الرياضة الأمير عبدالله الفيصل، بصفته وكيل نائب الملك، وأقيم اللقاء في 4/11/1369هـ .
وكانت هذه المشاركة محطة مهمة في مسيرة التأسيس الرياضي، فقد جاءت في مرحلة كان فيها الأمير عبدالله الفيصل يوسّع نظرته إلى الرياضة، ويمهد لمشروع أكبر يتجاوز رعاية الأندية والمباريات إلى تنظيم الرياضة السعودية ووضع أسسها الرسمية.

