المقالات

وطن يتغيٌر

حين نتحدث عن وطننا اليوم
فإننا نتحدث عن وطن
يتحرك بسرعة لافتة
ويتغير أمام أعيننا في
تفاصيل كثيرة :
مدن تتجدد
وطرق تمتد
ومشروعات تنهض
وخدمات تتطور
وتقنية تختصر المسافات
وطموح كبير أصبح جزءًا من حديث الناس وحياتهم اليومية ..
وهذا كله يبعث على الفخر والتفاؤل.
لكنني
وأنا أتابع هذا التحول الجميل
يراودني دوماً سؤال بسيط :
(( هل يكفي أن تتغير المدن
إذا لم نتغير نحن معها ..؟
ومن وجهة نظر متواضعة أن
التنمية ليست إسفلتًا ومباني ومشروعات فقط
وإنما هي أيضًا إنسان يعرف
حق الطريق
ويحترم النظام
ويحفظ للجار حقه
وللكبير مكانته
وللعامل كرامته
وللمختلف معه رأيه ..
كم نحتاج
ونحن نبني وطن المستقبل
إلى أن نستعيد بعض الأشياء الصغيرة التي ربما أخذتها منا سرعة الحياة ..
أن نلقي السلام.
أن نسأل عن جار غاب ..
أن نفسح الطريق
بدل أن نتسابق عليه
أن نحترم الطابور حتى وإن كنا مستعجلين ..
أن نخفض أصواتنا في الأماكن العامة.
أن نبتسم في وجه من يخدمنا
ونقول له :
“شكرًا ..
وأن نتذكر أن الهاتف مهما قرّب البعيد لا ينبغي أن يبعد القريب ..
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة
لكنها في الحقيقة هي التي تصنع
صورة المجتمع ..
الوطن ليس المبنى وحده
بل من يسكنه ..
وليس الطريق
بل أخلاق من يسير عليه ..
وليس المدرسة
بل ما نغرسه في أبنائنا ..
وليس المسجد بجمال عمارته فقط
بل بسكينة رواده وحسن تعاملهم ..
وليس المجلس بكثرة الحاضرين
بل بما يبقى بعده من مودة ووفاء ..
لقد عرف مجتمعنا منذ القدم بالتراحم والتكافل وإكرام الضيف واحترام الكبير والسؤال عن المريض ومواساة صاحب المصيبة والوقوف مع المحتاج ..
وهي قيم لا تتعارض مع الحداثة
بل لعلنا اليوم أحوج إليها من
أي وقت مضى ..
فالتقدم الحقيقي لا يعني أن نتخلى
عن جميل ما كنا عليه
وإنما أن نأخذ من حاضرنا تطوره
ومن ماضينا قيمه
ونمضي بهما معًا إلى المستقبل ..
وما أجمل قول الشاعر :

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ولست هنا أقول إن مجتمعنا
فقد شيئًا من أخلاقه
حاشا لله :
فالخير فيه كثير
والنماذج المضيئة حولنا
أكثر مما تحصى
ولكنها تذكرة أبدأ بها من نفسي
قبل غيري :
لأن الوطن الذي نفاخر بما تحقق على أرضه يستحق منا أن نكون نحن
أيضًا جزءًا من جماله ..
إن رؤية المملكة 2030
لم تكن مشروع مبانٍ ومؤشرات
وأرقام فحسب
بل طموحها الأكبر أن يكون الإنسان السعودي في قلب التنمية
شريكًا فيها ومستفيدًا منها
ومسؤولًا عنها ..
ومن مكة المكرمة
حيث تعلم العالم منذ قرون معنى أن يجتمع المختلفون في مكان واحد بسلام ومساواة ورحمة
ربما تكون الرسالة أجمل وأبلغ :
عبر صحيفة رائدة تحمل أسمها :
(( لنجمّل وطننا بأخلاقنا
كما تجمّل بمنجزاته ..
فالمشروع قد يُنجز في سنوات
والطريق قد يُعبد في أشهر
والمبنى قد يرتفع في أيام
أما بناء الإنسان فهو مشروع
العمر كله ..
حفظ الله وطننا وقيادته وأهله
وأدام عليه أمنه واستقراره
وجعلنا جميعًا ممن يبنون
ولا .. يهدمون
ويجمعون ولا يفرقون
ويتركون أينما مروا أثرًا طيبًا
وكلمة جميلة ..
فالوطن الذي يعطينا كل ..
هذا الجمال…
يستحق أن نرد له بعضه
بأخلاقنا .. وتعاملنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى