كأنَّما كان المُذِيعُ الشَّهيرُ خالد محمَّد البَيْتِيُّ قدِ ادَّخَرَ الكتابةَ لزمنٍ يَقْعُدُ فيهِ عنْ عَمَلٍ طويلٍ في التِّلفزيونِ، حتَّى إذا استراحَ مِنْ ذلك العالَمِ الفسيحِ، أَنْشَأَ يستخرِجُ مِنْ ذاكرتِهِ الثَّرَّةِ ما يَصْلُحُ للكتابةِ، وكان وَفِيًّا فشَرَعَ يستنقِذُ ما تَبَقَّى فيها مِنْ صُوَرِ مُعَلِّمِينَ أَثَّرُوا فيهِ، في التَّعليمِ العامِّ، وآخَرِينَ بَوَّأَهُمْ مَّنْزِلَةَ المعَلِّمِينَ والمُرَبِّينَ.
وليس جديدًا أن يُقَالَ: إنَّ خالد البيتيَّ، أوِ السَّيِّدَ كما يُنادِيهِ عارِفُو فَضْلِهِ = مُذِيعٌ مِنْ جِلَّةِ المُذِيعِينَ الَّذينَ عَرَفَهُمُ التِّلفازُ السُّعُوديُّ، يَبْهَرُكَ صوتُهُ العَرِيضُ، متى قَرَأَ نَشْرَةَ الأخبارِ، ويَهُزُّكَ تَضَرُّعُهُ متى استخرَجَ ما في قَلْبِهِ مِنْ وَجْدٍ وإشراقٍ، كُلَّما استمَعَ إليهِ الملايينُ، وهُو في المسجدِ الحرامِ، قُبَيْلَ صلاةِ المغربِ في أيَّامِ شهرِ رمضانَ المُعَظَّمِ.
كانَ صَوْتًا مَّهِيبًا، لَحِقَ جِيلَ الأساتذةِ الكِبارِ في التِّلفزيونِ والإذاعةِ السُّعُوديَّيْنِ، وأَلْقَى ذلك بأثرٍ فيهِ، فإذا رَفَعْتَ سَمْعَكَ إليهِ، أدركْتَ، مِنْ فَوْرِكَ، أنَّكَ إزاءَ مُذِيعٍ عالِمٍ باللُّغةِ العربيَّةِ، واسِعِ الثَّقافةِ، رَزِينٍ رَّصِينٍ، وتَيَقَّنْتَ أنَّنا لا نَزَالُ في زمنٍ كانَ للإعلامِ هَيْبَتُهُ، ولِصُعُودِ المَنابِرِ جَلَالُهُ، وأنَّهُ لا فَرْقَ كبيرًا بينَ جِيلٍ كانَ مِنْ أعلامِهِ مُذِيعُونَ أعلامٌ كبدرِ كُرَيِّم، وعبد الله راجِح، وسليمان العيسَى، وعبد الرَّحمن يغمور، وبَكْر باخيضر = وجِيلٍ أَحْدَثَ مِنْ أعلامِهِ خالد البيتيّ وكوكبةٌ مِنْ أندادِهِ وأقرانِهِ.
إذنْ، لَيْسَ جديدًا أنْ نَضَعَ السَّيِّدَ في المُذِيعِينَ الكِبارِ، وهذا شأْنُهُ، وتلك تربيتُهُ، إنَّما الْجديدُ أنْ نُسَمِّيَ المُذِيعَ الكبيرَ كاتِبًا كبيرًا، وأن يُخَيَّلُ لِي، وقدْ فَرَغْتُ مِنْ كِتابِهِ اللَّطيفِ البديعِ في رِحَابِ المُرَبِّينَ = أنَّني إنَّما أقرأُ لكاتبٍ عَهْدُهُ في الكتابةِ قديمٌ! وقدْ نَعْلَمُ، لِكُلِّ ما مَضَى، أنَّ خالدًا مُثَقَّفٌ، عالِمٌ بمَضَايِقِ اللُّغةِ، ولقدْ نَعْلَمُ أنَّهُ أُتِيحَ لهُ أن يَتَّصِلَ بالْجِيلِ المُؤَسِّسِ للإذاعةِ والتِّلفزيونِ في المملكةِ العربيَّةِ السُّعُوديَّةِ؛ يَرْقُبُهُمْ مِّنْ كَثَبٍ، ويَمْتَحُ مِن مِّعِينِ ما رُزِقُوهُ مِنْ خِبْراتٍ وتَجارِبَ = لَكِنَّ ذلكَ، وَحْدَهُ، ليس يكفي لِيَصِيرَ كاتِبًا، ولِأَدْعُوَهُ كاتِبًا كبيرًا.
بَلْ إنِّي لَأَزِيدُ في الوَصْفِ وأَعْتَدُّ ما يُنْشِئُهُ ذا أَثَرٍ في قارئِهِ، وحَسْبي أنْ أَجِدَ أَثَرَ الفُصُولِ الَّتي اشتمَلَ عليها كِتابُهُ اللَّطيفُ هذا في نَفْسِي، وأنَّني متَى تأمَّلْتُ عِبارةَ المُذِيعِ الكبيرِ إذا بها عِبَارةٌ شديدةُ الأَسْرِ، مَتِينةُ التَّركيبِ، كأنَّها لكاتبٍ كِتِّيبٍ، ذاقَ أفاويقَ الأدبِ = كاتِبٍ خِصْبِ اللُّغةِ، جِميلِ العِبارةِ، ذلكَالْجَمَالَ الَّذي استوقَفَني، وأنا أقرأُ مُقَدِّمتَهُ الفَخْمةَ العَذْبةَ:
“هذا الكِتابُ لَيْسَ سِيرةً ذاتِيَّةً لهؤلاءِ المُرَبِّينَ، وإلَّا لَمَا وَسِعَتْها مُجَلَّداتٌ، ولَكِنَّهُ لَمْسةُ وفاءٍ آثَرْتُ أنْ أُسَجِّلَها عِرْفانًا بالفضْلِ، ولَيْسَ هُناكَ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ أَثَرًا في رَعِيَّتِهِ مِنَ المُعَلِّمِ بَيْنَ طَلَبَةِ العِلْمِ.
لَقَدْ كُنْتُ أتمنَّى أنْ أتوقَّفَ أمامَ كُلِّ مُعَلِّمٍ دَرَسْتُ عَلَى يديْهِ، ولكنَّ فِكْرةَ الكتابةِ لمْ تُوْلَدْ إلَّا وقدْ تَبَخَّرَتْ مُعْظَمُ الذِّكرياتِ وغابَتْ مُعْظَمُ الأسماءِ فآثَرْتُ أنْ أُدَوِّنَ ما بَقِيَ في الذَّاكرةِ عَلَّها تَشْفَعُ في تقديمِ هذهِ اللَّمْسةِ الَّتي أَحْسَبُها تَدُورُ في خَلَدِ الكثيرينَ، خاصَّةً أنَّ الأسماءَ الواردةَ مِنَ المُعَلِّمِينَ يَحْفَظُ لَهُمْ آلافُ الطُّلَّابِ عَلَى امتدادِ الأجيالِ الَّتي نَهَلَتْ مِنْ أدبِهِمْ وعِلْمِهِمْ بالِغَ الوُدِّ والتَّقديرِ.
كما أنَّني لَمْ أَقْتَصِرْ عَلَى المُعَلِّمِينَ فحَسْبُ، ولكنَّني أَضَفْتُ بعضَ أصحابِ الأثَرِ في الإنسانِ خارِجَ المدرسةِ مِمَّن لَّا يُنْكَرُ فضلُهُمْ ولا يُمْحَى أَثَرُهُمْ مَهْما تَقَادَمَتِ السِّنُونَ“
لمْ يَكُنْ خالد البيتيُّ مُؤَرِّخًا، وإنْ لَمْ يَخْلُ كِتابُهُ مِنَ التَّاريخِ، وما كانَالكِتابُ معدودًا في كُتُبِ التَّراجِمِ والسِّيَرِ، وإنْ صُنِّفَ فيها. إنَّ فيهِ ما يَنْفَعُ المُؤَرِّخَ، ويُفِيدُ مِنْهُ كُتَّابُ التَّراجِمِ والسِّيَر. لكنَّ في كِتابِ خالدٍ أَثَرًا مِّنْهُ، فيهِ ما يَجْلُو لنا نَفْسَهُ، وهو، بهذا المَعْنَى، إنَّما يُؤَدِّي إلينا ما غارَ في ذاكرةِ الكاتبِ، وأَوْشَكَ أن يَكُونَ طبيعةً لَّهُ وجِبِلَّةً، وإنَّنا متَى استثنيْنا الفُصُولَ الَّتي كَسَرَها عَلَى الأشياخِ الأَجِلَّاءِ عَلِيّ الطَّنطاويّ ومحمَّد حسين زيدان وعاصِم حمدان = عَدَدْنا سائِرَ الفُصُولِ لِنَفَرٍ مِّنْ غِمَارِ النَّاسِ، وإنْ كانُوا مَعْدُودِينَ في كِبارِ المُعَلِّمِينَ وعِلْيَتِهِمْ، ولَوْلا أنِ استنقَذَ السَّيِّدُ ما وَقَرَ في ذاكرتِهِ، مِمَّا خِيفَ عليهِ الضَّيَاعُ = لَمَا عَرَفْنا عنْ أولئكَ الأشياخِ الأجِلَّاءِ شيئًا يُكافِئُ أَثَرَهُمْ في طُلَّابِهِمْوتلامِذَتِهِمْ.
عَلَى أنَّ خالدًا وَفَى لِشَرْطِهِ؛ أرادَ أن يَفِيَ لهؤلاءِ الكِبارِ ما أَدَّوْهُ إليهِ، ولمْ يَخْلُ كِتابُهُ اللَّطيفُ مِنْ شَرْطِهِ هذا إلَّا قليلًا، ولَوْلا أنَّهُ خافَ عَلَى ذاكرتِهِ يُبُوسَها وجَفَافَها لأدَّى إلى قارئِهِ قِطَعًا مِّنْ نَّفْسِهِ، وحوادِثَ لها شأْنٌ في ذاكرةِ التِّلميذِ والطَّالبِ الَّذي صارَ نَجْمًا في الإعلامِ ساطِعًا، وعَسَاهُ أدركَ شيئًا مِّنْ ذلك،وعَسَاهُ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى أن يُبَكِّرَ في إخراجِ كِتابِهِ، فاخْتَلَّ شَرْطُهُ شيئًا مَّا، وإلَّا ما موقِعُ كلمتِهِ الَّتي أَنْشَأَها في خليل الحُذَيْفِيِّ في مِرآةٍ أَثَّرَ فيها رِجَالٌ عَرَفَهُمْ تلميذًا وطالبًا ومُذِيعًا، وأنزلَ قِسْمًا مِّنْهُمْ مَّنزلةَ الأستاذِ والمُرَبِّي؟!
وشيءٌ آخَرُ أُقَدِّرُ أنَّ الكِتابَ اختَلَّ بسببِهِ، وبَيْنَما أَدَّى إلينا فَصْلَهُ عنِ المُرَبِّي الْجليلِ جميل عبد الجبَّار سَهْلًا رَخْوًا حبيبًا قريبًا = إذا بِهِ يَقْطَعُ استرسالَهُ العَذْبَ، وما استقرَّ في ذاكرتِهِ فلَمْ يَمَّحِ، بِنُقُولٍ طويلةٍ أَنْسَتْنا كلامَ الطَّالِبِ القديمِ، ويَظْهَرُ لي أنَّ وفاءَ السَّيِّدِ لأساتذتِهِ ومُعَلِّمِيهِ أَنْساهُ ذَوْقَهُ الرَّفيعَ في الأدبِ واللُّغةِ! نَقِفُ عَلَى شيءٍ مِّنْ ذلكَ ثقيلٍ في “قصيدتينِ” لواحدٍ مِّن مُّعَلِّمِيهِ، أَدَّاهُما إلينا كاملتينِ عَلَى ما فيهما مِنْ فُسُولةٍ وإعياءٍ، مَهْما ابْتُلِيَتَا بأدواءَ ليستْ يسيرةً في الوزنِ، ومَهْما اعْتَوَرَهُما مِنْ ضَعْفٍ وركاكةٍ، وما استطاعَ الكاتبُ المُثَقَّفُ البليغُ أن يَكُونَ ناقدًا عارِفًا، ولَيْتَهُ طَوَى تَيْنِكَ القصيدتينِرَأْفَةً بكِتابِهِ وبِقُرَّائِهِ، غَفَرَ اللهُ لهُ ولناظِمِهِما!
عَلَى أنَّ مأْخَذًا هُنا ومأْخَذًا هُناكَ لا يَصْرِفانِ قارِئَ هذا الكِتابِ اللَّطيفِعن مَعْنًى أَرَدْتُّهُ في عُنْوَانِ هذا الفَصْلِ؛ ذلكَ أنَّ السَّيِّدَ الْجِليلَ كأنَّما كانَ إنشاؤُهُ المُؤَثِّرُ البليغُ مُشْبِهًا الأرضَ الْخِصْبَةَ الَّتي تَعَهَّدَها القَيِّمُ عليها بألوانٍ مِنَ الإصلاحِ، حتَّى إذا آنَ أَوَانُ الانتفاعِ بِها = أَعْطَتْ وبالَغَتْ في العَطَاءِ، وأَدَّتْ إلينا ثِمَارًا نَّاضِجَةً، وأَنْبَأَتْنا الفُصُولُ الَّتي ظَهَرْنا عليها أنَّنا إنَّما نَقْرَأُ لكاتبٍ استجْمَعَ شُرُوطَ الكِتابةِ، فلَمَّا عالَجَ قَلَمُهُ ما نَهَدَ إليهِ كانَ لنا – نحنُ القُرَّاءَ – أدبٌ كأَجْوَدِ ما يَكُونُ الأدبُ وأَحْسَنِهِ، وما أَسْعَدَ الأدبَ بهذا الكِتابِ الحبيبِ القريبِ!.


