أبرز الأخبارFrom makkah to the worldالذكاء الإصطناعيمكة - عاجل

منظمة العمل الدولية تفتح ملف العمالة البشرية خلف الذكاء الاصطناعي

بينما يتركز جانب كبير من النقاش العالمي حول الوظائف التي قد يستبدلها الذكاء الاصطناعي، فتح مؤتمر دولي في جنيف زاوية أخرى للسؤال: من هم البشر الذين يعملون خلف هذه الأنظمة، ويجمعون بياناتها ويصنفونها وينظفونها ويراجعون مخرجاتها؟

ناقش مؤتمر INDL-9، المنعقد في مقر منظمة العمل الدولية بجنيف خلال الفترة من 9 إلى 11 سبتمبر 2026، يوم امس الخميس جلسة بعنوان «Human labour behind AI: Rethinking artificial intelligence and work in China»، سلطت الضوء على الاعتماد المستمر لأنظمة الذكاء الاصطناعي على العمل البشري، رغم الصورة الشائعة عنها بوصفها تقنيات تعمل بصورة ذاتية.

بشر خلف الخوارزمية

قدمت الجلسة الأستاذة المشاركة في جامعة تورنتو جولي يوجي تشن Julie Yujie Chen، مستعرضة نشوء «عمالة البيانات» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الصين، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي تشكل هذا النوع من العمل.

وتنطلق الجلسة من تعبير صيني يمكن ترجمته إلى «لا ذكاء بلا عمل بشري»، في إشارة إلى أن بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على المهندسين والمبرمجين، وإنما يعتمد كذلك على أعداد كبيرة من العاملين في جمع البيانات وتصنيفها وتنظيفها والتحقق منها ومراجعتها.

وتقول منظمة العمل الدولية إن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها يحتاج إلى طيف واسع من المهارات؛ يمتد من علماء الحاسب ومتخصصي تعلم الآلة إلى العاملين الذين يصنفون البيانات وينظفونها ويتحققون من جودتها.

ورغم عدم وجود رقم عالمي دقيق لهذه القوى العاملة، تشير المنظمة إلى أن التقديرات تصل إلى عشرات الملايين من العاملين، واصفة هذا العمل البشري غير المرئي بأنه عنصر حاسم في جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل بالصورة المتوقعة.

سلسلة توريد للذكاء الاصطناعي

المؤتمر نفسه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره برنامجًا يبدأ وينتهي داخل شركة تقنية؛ بل يضعه ضمن مفهوم أوسع هو «سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي».

وتشمل هذه السلسلة، وفق محاور INDL-9، أعمال تصنيف البيانات، والإشراف على المحتوى، والإدارة الخوارزمية، والتنظيم، والتوريد المسؤول، والحوار الاجتماعي، إلى جانب الظروف التي يعمل فيها الأشخاص المشاركون في تطوير الأنظمة وتشغيلها.

وهنا يتحول السؤال من:

كم وظيفة سيلغيها الذكاء الاصطناعي؟

إلى:

ما الوظائف التي أوجدها الذكاء الاصطناعي بالفعل، لكنها بقيت بعيدة عن نظر المستخدم؟

من يصنف البيانات.. ومن يحمي العامل؟

تفتح هذه الوظائف بابًا آخر يتعلق بجودة العمل نفسه: كيف يتقاضى العامل أجره؟ ما طبيعة عقده؟ هل يحصل على حماية اجتماعية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تكون المهام موزعة عبر منصات رقمية وشركات ومتعهدين يعملون في دول مختلفة؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية بعد اعتماد منظمة العمل الدولية في 2026 الاتفاقية رقم 193 بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، التي تناولت قضايا من بينها الأجور والمدفوعات، والحماية الاجتماعية، وشروط العمل، والقرارات الخوارزمية، وحماية البيانات، وإتاحة آليات تسوية النزاعات للعاملين عبر المنصات الرقمية. (Normlex⁠)

وتشترط الاتفاقية، ضمن أحكامها، توفير معلومات واضحة للعاملين حول الأجور وشروط الارتباط بالمنصات، كما تتناول حق العامل في معرفة أثر الأنظمة الآلية في تقييم عمله أو اتخاذ قرارات تؤثر في حصوله على العمل. (Normlex⁠)

التجربة الصينية

وتتناول جلسة جنيف الصين بوصفها حالة لدراسة التداخل بين نمو صناعة الذكاء الاصطناعي، والعمالة الرقمية، وضغوط التوظيف، والتنمية الصناعية، والنظرة الاجتماعية للعمل.

والهدف يتجاوز دراسة السوق الصينية نفسها إلى استخدام التجربة لبناء فهم أوسع للطريقة التي تتشكل بها سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي عالميًا، والعلاقة المتغيرة بين العمل والتكنولوجيا. (ILO Live⁠)

ما وراء شاشة المستخدم

بالنسبة للمستخدم، قد تبدو العملية بسيطة: يكتب سؤالًا، وبعد ثوانٍ يحصل على إجابة.

لكن خلف تلك الثواني توجد سلسلة بشرية أطول: بيانات جُمعت، وأخرى صُنفت، ومخرجات جرى تقييمها، ومحتوى خضع للمراجعة، ونماذج اختُبرت قبل أن تصل إلى الشاشة.

وهذا ما يجعل ملف «العمل البشري خلف الذكاء الاصطناعي» أحد أوجه النقاش الجديدة حول مستقبل العمل؛ فالسؤال لم يعد فقط عما إذا كانت الآلة ستأخذ مكان الإنسان، وإنما أيضًا عن مكان الإنسان نفسه داخل صناعة الآلة، وحقوقه عندما يصبح جزءًا غير مرئي من بنيتها التحتية.

عهود الزهراني

‏رئيس قسم صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى