كتاب الرأي

عبدالعزيز الهزاني.. حكاية رجلٍ عظيم ومواقف لا تُنسى

خرجت من منزل الأستاذ عبدالعزيز الهزاني رحمه الله بعد حضوري مجلس العزاء والناس تتوافد لتقديم واجب العزاء فقلت في نفسي: سبحان الله، كيف زرع هذا الرجل كل هذا الحب والتقدير في قلوب الناس؟

كان يعمل في جهة أمنية حساسة ومع ذلك عاش بين الناس محبوباً قريباً منهم جامعاً للقلوب وطنياً مخلصاً سخر علاقاته الواسعة لخدمة وطنه وولاة أمره

كانت طبيعة عمله تستوجب التواصل مع الإعلاميين السعوديين وغيرهم والعمل خارج المملكة وبناء علاقات واسعة وقد أحسن توظيف تلك العلاقات فيما يخدم وطنه ومصالحه وكان رحمه الله محل ثقة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز ولي العهد وزير الداخلية رحمه الله كما كان محل ثقة معالي مدير عام المباحث العامة الأستاذ صالح الخصيفان رحمه الله

ومن خلال عمله اكتسب الهزاني الهدوء والحكمة ونكران الذات وتغليب المصلحة العامة وهي صفات لم تكن مجرد شعارات في حياته فقد كانت منهجاً ومواقف شهد بها كل من عرفه

وقد كتبت ابنة الفقيد الأستاذة الدكتورة أمل الهزاني عضو مجلس الشورى تغريدة نعت بها والدها فعلقت على التغريدة كاتبا
“عظم الله أجركم برفسورة أمل وغفر الله للفقيد وأسكنه فسيح جناته رجل عظيم وطني كريم شهم وفي نبيل خدم وطنه بكل إخلاص وتواضع وله مواقف عظيمة معي ومع غيري

ولعل من أبرز مواقفه معي موقفه قبل عملي في وزارة الداخلية عندما كتبت مقالاً سياسياً في صحيفة البلاد ترتب عليه إيقافي وإيقاف الجريدة كما تأخرت ترقيتي إلى المرتبة الرابعة عشرة

فكان موقف عبدالعزيز الهزاني يومها نبيلاً وشجاعاً إذ أنصفني وأوضح الصورة ورفع تقرير لمعالي الأستاذ صالح الخصيفان مدير عام المباحث العامة آنذاك رحمه الله مما كان له أبلغ الأثر في إنهاء الموقف

وبعد انتقالي من وزارة التعليم إلى وزارة الداخلية شارك معنا عضواً في لجنة إعداد استراتيجية الإعلام الأمني وتوطدت علاقتي به وكنت على تواصل دائم معه فأجد لديه الحكمة والرأي السديد والحرص على المصلحة العامة

لقد كان شخصية نادرة عاش بعزة وشموخ ونبل وكرم ومات وهو محبوب من الجميع بما عرف عنه من شهامة ونبل ووفاء وبما امتلكه من علاقات واسعة سخرها لخدمة وطنه”

قصة المقال السياسي

وردتني تساؤلات عدة عن المقال السياسي الذي كتبته وعن موقف الفقيد عبدالعزيز الهزاني رحمه الله من تلك الحادثة فإن مواقف الإنسان قد تغير مساراً وقد تجعله يكسب أو يخسر لكنه يقول كلمته مدفوعاً بإخلاصه ووفائه ومحبته وولاء لوطنه

وقد عرفت في حياتي مواقف أخرى مشابهة ومنها موقفي تجاه ما رأيته من فساد وخيانة من أحد الأشخاص الذين فروا من البلاد وهو الخائن الفاسد الهارب الجبري حيث أبلغت الأمير نايف رحمه الله عنه في حينه عنه وقد قلت ذلك في مقابلات مع الاستاذ طارق القرني في بودكاست الرسالة ومع الاستاذ عبدالعزيز الودعاني في بودكاست تلاقي ومع الاستاذ نايف الصويمل في بودكاست تكية .

أما قصة المقال السياسي فتعود إلى عام 1998م الموافق لعام 1418هـ.

في ذلك الوقت كنت أكتب زاوية يومية في صحيفة البلاد مع الرائد الإعلامي الأستاذ قينان الغامدي الذي كان يرأس تحرير الصحيفة آنذاك وكانت البلاد تعيش نهضة صحفية كبيرة وحققت حضوراً وتوزيعاً لافتاً وأصبحت تنافس الصحف الورقية الأخرى ولا سيما الرياض وعكاظ

وكانت الغيرة والحمية على الوطن حاضرتين في نفسي فكتبت مقالاً سياسياً حاداً انتقدت فيه مسؤولاً في دولة أخرى كان يتبنى خطاً هجومياً ضد وطني الحبيب .
وكان من المفترض أن ينشر المقال يوم الأحد ضمن الزاوية اليومية التي كانت تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية وسياسية متنوعة

لكن حدث تغيير في ترتيب الصفحات بسبب ورود إعلان كامل الصفحة وكانت قيمة الإعلان مهمة للصحيفة خصوصاً مع ارتفاع الإقبال على البلاد وزيادة توزيعها ولذلك أُجلت الصفحة المخرجة صحفياً إلى اليوم التالي ثم إلى اليوم الذي يليه حتى جاء موعد نشر المقال يوم الأربعاء

وهنا حدثت المفارقة التي لم تكن في الحسبان

ففي اليوم الذي نشر فيه المقال كانت المملكة العربية السعودية بحكمتها المعهودة تقود مساعي صلح بين أطراف نزاع وقد وصلوا إلى مطار القاعدة في الرياض وكان في استقبالهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله الذي كان حينها ولياً للعهد

اطلعت سفارة المسؤول المعني على المقال وتم اطلاع الملك عبدالله رحمه الله عليه وكان توقيت نشر المقال بعد تأجيله عدة أيام قد أصبح حساساً للغاية في ظل تلك الظروف

وكانت النتيجة إيقاف الجريدة

وقد روى الأستاذ قينان الغامدي تفاصيل هذه القصة في مقابلة له مع الإعلامي الأستاذ عبدالله المديفر.

أما أنا فقد أصابني يومها كرب شديد وأصبح الناس ينظرون إليّ بشيء من الريبة كما أن معاملة تعييني مديراً عاماً للإعلام التربوي على المرتبة الرابعة عشرة والتي كانت ضمن الترقيات المعروضة على مجلس الوزراء سُحبت في حينه

بدأت أتواصل مع عدد من كبار المسؤولين لعل أحداً منهم يستطيع التدخل وإنهاء هذا الموقف لكن بعض من تواصلت معهم اعتذروا .

وكانت لي معرفة قديمة بمعالي الشيخ الوالد عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري نائب رئيس الحرس الوطني المساعد رحمه الله.

وكنت قد عملت في وزارة الحرس الوطني بعد تخرجي من الجامعة عام 1401هـ، واعمل صحفياً متعاوناً مع جريدة الرياض في الفترة المسائية وكانت الصحافة آنذاك وسيلة مهمة لتغطية أنشطة الحرس الوطني وكان من المعتاد أن يتعاون الموظفون في الأعمال الإعلامية مساءً وهو ما أتاح لي التعرف على عدد من مسؤولي الحرس الوطني ومن بينهم معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري.

والذي كان يحيط الجميع بالدعم والتشجيع وعُرف بتواضعه ونبله وبعد نظره.

وتوطدت علاقتي به خلال فترة ابتعاثي ثم خلال علاقتي وعملي مع معالي وزير التعليم الدكتور محمد الرشيد رحمهما الله وكانت تربطهما علاقة قرابة.

وكان معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري مدرسة في بعد النظر والاتزان والعدل والإنصاف ودعم الكفاءات الوطنية وحل الأمور بروية وتسامح.

هاتفته بعد عدة أيام من المشكلة وشرحت له ما حدث فكان موقفه كعادته نبيلاً وطلب مني أن أكتب خطاب اعتذار موجهاً إلى الملك عبدالله رحمه الله أوضح فيه ما حدث وأعتذر عما بدر مني وأن أسلمه إلى معالي السكرتير الخاص للملك عبدالله آنذاك.

فكتبت الخطاب وذهبت به إلى معاليه فاستقبلني استقبالاً طيباً ثم سألني:-

هل تعرف معالي الأستاذ صالح الخصيفان مدير عام المباحث العامة؟

فقلت أسمع عنه لكنني لا أعرفه ولم ألتق به

وكان ذلك في شهر شعبان عام 1418هـ

فقال لي إنهم تلقوا خطاباً عن موضوعي يتضمن ثناءً عليّ وتوضيحاً لما حدث وأنني محل تقدير ومعروف بالوطنية والإخلاص وأن هذا الكلام عُرض على الملك عبدالله رحمه الله وكان توجيه الملك عبدالله رحمه الله برفع الإيقاف عني بعد أن حملت الجهة الأمنية المهمة شهادة إيجابية بحقي.

ثم طلب مني الحضور إلى الديوان الملكي في اليوم التالي ظهراً

حضرت وتم التواصل مع وزارة الإعلام والأمانة العامة لمجلس الوزراء وترتيب موعد عن طريق المراسم الملكية وبجهود معالي الدكتور محمد الرشيد رحمه الله لمقابلة الملك عبدالله رحمه الله.

وكان لقائي به من اللحظات التي لا أنساها، حيث كنت أتشرف بلقائه وحضور مجلسه في الحرس الوطني كل أربعاء قدر الإمكان وفي ذلك اليوم سلمت عليه فكان ودوداً مشجعاً وأخبرني أن ترقيتي ستُعرض في اليوم التالي على مجلس الوزراء.

وفي اليوم التالي تلقيت اتصالاً هاتفياً من معالي الأمين العام لمجلس الوزراء الأستاذ عبدالعزيز السالم رحمه الله يخبرني بصدور التوجيه بعرض الترقية على مجلس الوزراء

وانجلت الغمة ..

لكنني عرفت بعد ذلك أن الرجل الذي كتب التقرير الإيجابي عني وأعده هو الأستاذ عبدالعزيز الهزاني رحمه الله بحكم مسؤوليته عن الجوانب الإعلامية.

وهنا أدركت قيمة الموقف الذي وقفه معي هذا الرجل العظيم.

وهو الذي لم يكن يعرفني حينها المعرفة التي تسمح له بالمجاملة ولم يكن ينتظر مني مقابلاً وإنما رأى أن من واجبه أن يقول الحقيقة وأن ينصف رجلاً يعرفه وطنياً ومخلصاً وأن يوضح الصورة كما هي.

تلك هي الشهامة

ومنذ ذلك الوقت توطدت علاقتي به واستمرت خلال فترة عملي في وزارة الداخلية التي امتدت سبعة عشر عاماً ثم بعد تقاعده قبلي حيث كنت أتشرف بحضور مناسباته في منزله

وكان بيته مفتوحاً للجميع معروفاً بكرمه ونبله وحسن احتفائه بضيوفه وكان يملك قدرة نادرة على جمع الناس وإشعار كل من حوله بقيمته ومكانته.

رجال لا تنسى مواقفهم ..

هذه ليست قصة عبدالعزيز الهزاني وحده وإنما قصة مجموعة من الرجال الذين تركوا في حياتي أثراً لا يمحى

في مقدمتهم سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله الذي كان قريباً من الناس وداعماً للكفاءات وصاحب موقف حين تتضح له الحقيقة

ومعالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري رحمه الله، ذلك الرجل الذي كان مدرسة في الحكمة والاتزان والعدل والإنصاف وكان يؤمن بالإنسان والكفاءة الوطنية.

ومعالي الدكتور محمد الرشيد رحمه الله الذي كان من أصحاب المواقف وساهم بجهوده في ترتيب اللقاء وإنهاء الأزمة.

ومعالي الأستاذ صالح الخصيفان رحمه الله الذي حمل مسؤولية جهاز أمني مهم وكان محل ثقة ولاة الأمر وكان موقفه في هذه القضية جزءاً من إنصاف الحقيقة.

ومعالي الأستاذ عبدالعزيز السالم رحمه الله الذي كان أميناً عاماً لمجلس الوزراء وكان صاحب الرسالة التي حملت إليّ خبر انتهاء الغمة وعودة معاملة ترقيتي إلى مسارها.

وأخيراً سعادة الأستاذ عبدالعزيز الهزاني رحمه الله صاحب الموقف الذي بقي في ذاكرتي والذي لم يكن موقفاً عابراً.

رحم الله هؤلاء الرجال جميعاً وأسكنهم فسيح جناته.

إنها قصة من قصص الشهامة والمروءة وقصة رجال عظماء عملوا في دولة عظيمة آمنوا بوطنهم وأخلصوا لقيادته وكانوا يرون أن المسؤولية أمانة وأن الإنصاف واجب وأن الموقف النبيل لا يحتاج إلى ضجيج.

لقد عاش عبدالعزيز الهزاني رحمه الله عزيزاً شامخاً ومات محبوباً من الجميع.

وهذه كلمتي فيه شهادة حق ورواية موقف ووفاء لرجل كان له معي ومع غيري مواقف إيجابية لا تُنسى.

حفظ الله وطننا العظيم المملكة العربية السعودية وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها في ظل المسيرة المباركة التي أسسها الملك عبدالعزيز رحمه الله وسار عليها أبناؤه الملوك من بعده نسأل الله أن يحفظ سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز وأن يديم عليهما الصحة والعافية ويحفظ وطننا وقيادته وشعبه ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار .

د. سعود صالح المصيبيح

مستشار في مكتب وزير الداخلية سابقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى