
يبدو أن ميليشيا الحوثي دخلت مرحلة الجنون الانتحاري وبدات تسكب الوقود على رأسها وتقدح الزناد لتشعل النار فعندما أطلقت بالامس صاروخها الآثم نحو مكة المكرمة كانت على يقين تام أنها تستهدف مركز الوجدان الديني لأكثر من مليار ونصف المليار إنسان حول العالم.
ونحمد الله أن منظومات الدفاع الجوي السعودي تصدت لهذا الصاروخ قبل أن يبلغ هدفه.
هذا التصعيد الارهابي والاجرامي لا يمكن قراءته إلا بوصفه إعلاناً صريحاً عن طبيعة المشروع الحوثي وحقيقة أولوياته.
* سقوط الاقنعة
منذ نشأتها، حرصت الميليشيا الحوثية على تسويق نفسها بوصفها حركة “مقاومة” تدافع عن “قضايا الأمة” و”تنصر القدس”. لكن شعارات من هذا النوع تسقط بمجرد توجيه صاروخ نحو مهبط الوحي، فأي مشروع يزعم الدفاع عن الإسلام بينما يهدد أقدس بقعة فيه، إنما يكشف عن تناقض جوهري لا عرضي.
لم يعد ممكناً الحديث عن “غايات دينية” أو “مبادئ مقاومة” لجماعة تضع مكة المكرمة ضمن دائرة استهدافها، ولو لم يُصب الصاروخ هدفه؛ فالنية والمحاولة وحدهما كافيتان لإسقاط الشعار وكشف الأداة.
هذا ليس أول اختبار من نوعه. فقد سبق لصواريخ الميليشيا أن اتجهت نحو المنطقة ذاتها في مناسبات سابقة، في نمط متكرر يؤكد أن استهداف قبلة المسلمين هو جزء من حسابات تصعيدية تُدار بعيداً عن أي اعتبار ديني أو إنساني.
وما يتبقى هو مشروع وظيفي يوظَّف سلاحه أينما طُلب منه ذلك، بصرف النظر عن الكلفة الدينية أو الإنسانية.
* الحزم لا يعني التهور
في المقابل، جاء موقفنا السعودي الرسمي معبِّراً عن معادلة واضحة أن أمن المملكة وسلامة أراضيها خط لا يقبل المساومة، وللمملكة الحق المشروع، الذي تكفله الشرائع والقوانين الدولية، في الدفاع عن نفسها وحماية مواطنيها ومقدساتها. وهو موقف لا ينبع من رغبة في التصعيد، بل من واجب الدولة في حماية سيادتها، خاصة حين يكون الاعتداء موجَّهاً ليس فقط ضد أراضيها، بل ضد ما تمثله من مسؤولية دينية تجاه العالم الإسلامي بوصفها راعية الحرمين الشريفين.
فبينما تُصوِّب الميليشيا سلاحها نحو المدنيين والمقدسات دون تمييز، تتحرك الدفاعات السعودية في إطار الرد المضبوط الذي يستهدف حماية الأرواح ومنشآت الإطلاق، لا التصعيد العشوائي.. وهذا الفارق بين من يستهدف عمداً ومن يدافع اضطراراً هو جوهر الشرعية في أي مواجهة.
والمشهد يجسد مشروعين متناقضين جذرياً مشروع يوظّف السلاح لخدمة أجندات إقليمية على حساب استقرار اليمن ومحيطه، ومشروع آخر تقوده المملكة العربية السعودية، يسعى إلى ترسيخ الأمن والاستقرار لليمن الشقيق وللمنطقة بأسرها. فالرياض، بثقلها التاريخي والديني والسياسي، ظلّت على الدوام نقطة ارتكاز للعمل العربي المشترك، وموقعاً تتقاطع عنده مصالح الأمن الإقليمي بحماية المقدسات الإسلامية.
ومهما تكرر التصعيد الحوثي أو تصاعدت حدّته، فإن ذلك لن يُنتج إلا مزيداً من الإصرار السعودي والعربي على مواجهة هذا المشروع بكل الوسائل المشروعة، حتى تستعيد المنطقة قدرتها على العيش بعيداً عن ظل السلاح الذي لا يُفرّق بين حرم آمن وميدان قتال.
وختاما نقول ما قاله ابو الأنبياء ورافع قواعد البيت الحرام إبراهيم عليه السلام :
(رَبِّ اجعَل هذا بَلَدًا آمِنًا…)

