
إن المسافة بين تواريخ حدوث الاكتشافات والاختراعات ضاقت فجوتها في وقتنا الحاضر عمَّا كانت عليه في الماضي، فبينما استغرق الأمر قرونًا للانتقال من عصر (الزراعة) إلى عصر (الصناعة) في أوروبا، فإننا نعيش الآن في ضوء اكتشافات واختراعات جديدة، وفي كل المجالات لا يفصلها زمنيًا عن بعضها إلا بضعة أعوام أو حتى أشهر معدودات.
من أجل ذلك فإن التنبؤ بفقدان الملايين من الناس حول العالم لوظائفهم نتيجةً للاكتشافات والاختراعات التي يقوم بها العقل البشري الموهوب أو ما يُعرف حاليًا “الذكاء الاصطناعي ” بدايةً من عام 2022م فهو أمر محتمل وجدِّي.
المهم هو كيف سنُعّرِف احتياجات سوق العمل الجديد من المخرجات الجامعية؟ لذلك يجب التفكير في كيف يمكن أن يكون لدينا طبيب يعرِف الكثير حقًا عن البيانات؟ كيف يمكن أن يكون لدينا اختصاصي في الأحياء يعرف الكثير عن الطب؟ كيف يمكن أن يكون لدينا خريج يحمل مهارات بجانب تخصصه الرئيسي ؟ علينا أن نخلق مساحة كبيرة تُتيح للطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات السعودية من التفكير العقلي بحرية لإنتاج أفكار جديدة متنوعة وابتكارية.
بالتأكيد، نحن نحتاج بشدة إلى (تعليم جديد)، نحتاج بشدة (لمناهج جديدة)، نحتاج بشدة إلى (تدريب جديد)، نحتاج بشدة أكثر إلى (مُعلم جديد).
لا يزال في الذاكرة عند زيارتي لإحدى الجامعات وذهابي لقسم الإحصاء بالجامعة بحكم التخصص، وجدت أن ما يدّرَس للطلاب هو نفس ما كانت أقوم بتدريسه لطلابي قبل عقدين من الزمان.
إن المُتتبع لرحلة الجامعات السعودية منذ إنشاء جامعة الملك سعود في عام 1377هـ، يجد أن مرحلتها الأولى كانت تسمى بمرحلة (التعليم بالحفظ والتلقين) لأن الأمية كانت نسبتها عالية في تلك الفترة لذلك كانت المناهج يغلب عليها الطابع النظري، بعدها بدأت المرحلة الثانية، بإضافة الكثير من التخصصات العلمية، وسميت بمرحلة (التمكين)، وهي تمكين الشباب السعودي من الخدمة في وظائف الدولة المختلفة التي كان يعمل بها من غير أبناء الوطن، أما المرحلة الثالثة التي نعيشها الآن هي مرحلة (التدشين) أو ما يُعرف بتدشين الأبحاث المنتجة وريادة الأعمال وأودية التقنية وتعليم الذكاء الاصطناعي وغيرها.
بمعنى أن مهمة الجامعات الآن ليست التلقين ولا التمكين وإنما تخريج مجموعة من العلماء والمفكرين والمكتشفين.
لذلك يجب تشجيع الطلاب من الصفوف الأولى على عدم التركيز على الحفظ والتلقين، بل على التفكير الذاتي والإبداع، يجب أن نحثهم ونشجعهم على الاهتمام بالرياضيات والعلوم والتكنولوجيا الرقمية التي لها القدرة على تغيير النتائج، وتمكين الطلبة من خلق مناخٍ إيجابي يُساعد على الإبداع والتميز.
لقد تقاتل الناس تاريخيًا فيما بينهم من أجل قضية أو أخرى، كانت الحروب في الماضي تندلع على الغذاء والملجأ، وبمرور الزمن أصبحت تندلع بسبب المعتقدات والأديان، وحاليًا تدور رحى الحروب على العلم والتقدم المعرفي.


