المقالات

التنافر المعرفي لأحداث العصر

التنافر المعرفي Cognitive Dissonance هو حالة القلق والحيرة وعدم الارتياح التي يعيشها الإنسان حينما يقتنع بفكرتين متعارضتين، مثل تعارض:
1- قناعته في موثوقية الإحصاءات الرسمية بانخفاض معدل البطالة.
2- وقناعته في تزايد عدد العاطلين عن العمل في محيطه الاجتماعي.

فهناك إستراتيجيات(1) لتخفيف حدة التنافر المعرفي تتمثل في: (1- تغيير السلوك بتبني القناعة الراجحة ولو قليلًا. 2- تغيير مصادر المعرفة. 3- إضافة معرفة جديدة. 4- تجنب قراءة المزيد من المعلومات المتنافرة غير الموثوقة). هذه الإستراتيجيات أثبتت فاعليتها في تبديد التنافر وتبني إحدى القناعتين دون قلق وحيرة.

وعَودًا لمثالنا السابق، إذا استخدمنا الإستراتيجية الـ3 بإضافة معرفة جديدة، مثل فهمنا لتعريف البطالة لدى منظمة العمل الدولية الذي تتبناه الدول وهو: (عدم حصول الشخص القادر الراغب على عمل بأجر عادل). وهذا يعني أن الرافضين للعمل في مدينة أخرى لم يحققوا شرط (الراغب) في التعريف الرسمي، ولن يتم حسابهم في معدل العاطلين لوجود فرص عمل لكنهم لا يرغبونها؛ بهذه المعلومة المضافة تخف حدة التنافر بين القناعتين في مثالنا السابق ومن ثم نفسر قناعتنا بتزايد عدد العاطلين في محيطنا الاجتماعي لعدم الرغبة لدى بعضهم في العمل بمدينة أخرى.

ثم تطورت نظرية التنافر المعرفي بصياغة نموذج التنافر البديل (غير المباشر) Vicarious Dissonance ويحدث التنافر البديل حينما يضع الإنسان نفسه محل شخص آخر يبدي فكرة منطقية مضادة لفكرة منطقية متأصلة في مجتمعاته Communities المرجعية.

ولو تأملنا التنافر المعرفي الذي يحدث للشخص بسبب الإعلانات التجارية ووسائل الإعلام، يمكننا تسميته جدلًا بالتنافر الموجَّه(2) Oriented Dissonance لأنه مقصود الهدف وهو التأثير في المتلقي؛ في حين التنافر المعرفي (الكلاسيكي) الأفكار فيه تعبر عن القناعات الشخصية وﻻ تستهدف قناعات الآخر؛ ومثال التنافر الموجَّه من الإعلانات التجارية تعارض:
1- قناعة الادخار لشراء سلعة أو خدمة معينة مهمة مستقبلًا.
2- وقناعة شراء سلعة أو خدمة أخرى في موسم التخفيضات.
نجد تنافرًا موجَّهًا حدث بين قناعتي الادخار والإنفاق أحدثه الإعلان التجاري.

ومثال التنافر الموجَّه من وسائل الإعلام تعارض:
1- القناعة بقدرة روسيا عسكريًّا على شل أوكرانيا تمامًا.
2- والقناعة بعدم قدرة روسيا في الواقع من هزيمة أوكرانيا.

التنافر الموجه في المثال الروسي يمكن تخفيف حدته إذا استخدمنا الإستراتيجية الـ3 أيضًا وهي إضافة معرفة جديدة كالتالي:
أعلنت روسيا قيامها بعمليات عسكرية خاصة في أوكرانيا ولم تعلن الحرب على أوكرانيا، وهناك فرق بين العمليات العسكرية الخاصة وبين (الحرب)، فالعمليات العسكرية ذات أهداف محددة أما الحرب فلا تُبقي ولا تذر، فالإعلام خلق هذا التنافر الموجَّه بأن روسيا ليست قادرة على الانتصار في حربها على أوكرانيا، والحقيقة عند الروس بعيدة عن مفهوم الحرب وإنما هي نجاحهم المستمر في عملياتهم العسكرية لدعم اتفاقيات سابقة أبرمت لحماية أقاليم تتعرض للاضطهاد والإبادة العرقية والدينية على الحدود الروسية، وقد يعجب القارئ إذا عرف أن أوكرانيا نفسها لم تعلن الحرب حتى الآن؛ لمعرفتها بويلات إعلانها الحرب.

وبهذه المعرفة المضافة تتبدد القناعة بأن روسيا غير قادرة على هزيمة أوكرانيا؛ ويختفي بذلك التنافر الموجَّه، ونفس الحال العمليات العسكرية لقوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن، ليست حربًا كما يصورها الإعلام، فلو كانت حربًا -لا سمح الله- لكان عمرها أيامًا فقط وربما ساعات، لكن الضمير الإنساني حال دون ذلك، في حين غاب هذا الضمير لدى الغرب حينما أعلن العدو الإسرائيلي الحرب على غزة الأبيَّة، ولاحظ الجميع حجم الدمار الذي أحدثته الحرب، ولازال الغرب يضلل العالم بتجريم العمليات العسكرية الخاصة بروسيا، وتبرير الحرب التي يشنها العدوان الإسرائيلي على غزة -أيدها الله بنصره-.

ليتنا جميعًا نمتثل ونعلم أبناءنا إستراتيجيات الوقاية من التنافر المعرفي والحد من آثاره النفسية، وخاصة التنافر الموجَّه، بإضافة أكبر قدر من المعلومات لطرفي التنافر والتنبه لمصادر المعرفة المضللة حتى يتبين الحق من الباطل والحقيقي من الزائف، فكثير منا يعيش الحرب على غزة بتنافر موجَّه من الإعلام عبر مقاطع وخطابات وآراء تجعلهم في حيرة وضيق وقلق.

(1)- أميل للرأي الذي يرى كتابة الهمزة للألفاظ غير العربية كما تنطق في لغتها الأصلية بعيدًا عن قاعدة همزة الوصل والقطع.
(2)- آمل من الباحثين دراسة التنافر الموجَّه كتنافر بديل مقصود الهدف في المتلقي، فالدراسات شحيحة بهذه الصيغة للتنافر.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. احسنت بارك الله فيك استاذ / خالد
    يقول المثل ( من زاد علمه قل انكاره )

  2. روعه مفاهيم جديده تستحق القراءه والفهم العميق لما يدور حولنا جزيتم خيا سلمت يمينك وما كتبت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى