
أكد «المستشار الذكي» أن تزايد لجوء بعض مستخدمي الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل إلى إخفاء حالة الاتصال أو الظهور العلني يعكس تحولًا واضحًا في ثقافة الاستخدام الرقمي، مشيرًا إلى أن هذا السلوك لا ينبغي تفسيره بوصفه عزلة اجتماعية بقدر ما هو ممارسة واعية لإدارة الخصوصية في الفضاء الإلكتروني.
وأوضح لصحيفة «مكة» الإلكترونية، أن الدافع الأبرز لدى كثير من المستخدمين يتمثل في حماية الخصوصية الرقمية وتقليل انكشاف أنماط حضورهم اليومي، خاصة في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالاختراقات والاحتيال والضغوط الاجتماعية المرتبطة بتوقع الرد الفوري. وأضاف أن الخوف من الوقوع في الجرائم الإلكترونية أو التعرض لإساءة الفهم أو المساءلة القانونية أسهم في رفع مستوى الحذر لدى شريحة واسعة من المستخدمين، ما دفعهم إلى تقليل بصمتهم الرقمية وإدارة ظهورهم بصورة أكثر انتقائية.
وبيّن «المستشار الذكي» أن هذا السلوك يمكن فهمه علميًا عبر ما يُعرف مجازيًا في دراسات الاتصال بـ«نظرية قشرة البصلة» (نظرية الاختراق الاجتماعي)، التي تقوم على أن الفرد لا يكشف ذاته دفعة واحدة، بل عبر طبقات متدرجة من الانفتاح أو الإخفاء. وقال إن البيئة الرقمية وفّرت أدوات عملية لتطبيق هذه النظرية، مثل إخفاء الظهور وتعطيل خاصية «آخر ظهور» وتقييد الجمهور، وهي كلها وسائل تمنح المستخدم قدرة أعلى على التحكم في طبقاته الاتصالية.
وفي قراءة تفسيرية أوسع، أشار إلى إمكانية فهم الظاهرة أيضًا من خلال نظرية الاستخدامات والإشباعات، حيث يختار بعض الأفراد إشباع حاجاتهم المعرفية أو الترفيهية من موقع المتلقي الهادئ لا المشارك النشط، وهو ما يفسّر تنامي نمط «المتابعة الصامتة» في المنصات الرقمية. وبهذا التلاقي النظري يتضح أن الصمت الرقمي أو إخفاء الحضور لا يعكس بالضرورة عزلة اجتماعية، بل يمثل في كثير من الأحيان سلوكًا واعيًا يجمع بين إدارة الخصوصية وترشيد التفاعل في بيئة اتصال عالية الكثافة.
وأشار إلى أن المستخدم الحديث لم يعد يتجه نحو الانسحاب الكامل من الفضاء الرقمي، بل نحو ما يمكن تسميته «الخصوصية المُدارة»، حيث يوازن بين الحضور والتخفي وفق السياق والضرورة. ولفت إلى أن السمات الشخصية — خصوصًا لدى الشخصيات الانطوائية — إضافة إلى الإرهاق المعلوماتي والإزعاج الرقمي، تمثل عوامل مساندة لهذا التوجه.
وأكد «المستشار الذكي» أن هذا النمط من الحذر يعكس في كثير من الأحيان نضجًا في الوعي الرقمي، لكنه قد يتحول إلى عزلة غير صحية إذا تجاوز حدوده الطبيعية. وشدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء بيئات تواصل آمنة ومحترمة تشجع المستخدمين على المشاركة الواعية دون شعور بالضغط أو المخاطر.
وختم بالتأكيد أن التوازن يظل هو الخيار الأمثل، فالمطلوب ليس انكشافًا كاملاً ولا اختفاءً تامًا، بل حضور رقمي واعٍ يقوم على كشفٍ محسوب لا يفرّط في الخصوصية ولا يقطع جسور التواصل، بما يعزز جودة الحوار ويحمي المجتمع من آثار التضليل والشائعات.






