المقالات

طيراننا المحلي.. تحليق في الأسعار وهبوط في الخدمات

«وللحديث بقية»

تقتضي أدبيات “المصافحة الأولى” مع القراء عادةً، أن تكون الكلمات هادئة، مليئة بالود والترحيب، لكن أمانة الكلمة ومسؤولية المنبر الصحفي في “صحيفة مكة” تدفعني لأن أبدأ من حيث يقف المواطن.. من حيث يعاني، ويشتكي, وينتظر حلاً ربما لا يلوح في الأفق القريب.
اليوم، لا يتحدث الشارع السعودي عن ترف السفر، بل عن “معضلة” باتت تؤرق كل عائلة: أسعار تذاكر “الخطوط الجوية العربية السعودية”. أسعار فلكية، ومبالغ فيها إلى حد غير منطقي، لا يبرره واقع، ولا تشفع له جودة خدمات!
من حقنا كمواطنين، وفي ظل القفزات التنموية الهائلة التي تشهدها مملكتنا الغالية في قطاع السياحة والترفيه، أن نتساءل بصوت مسموع: كيف لرحلة طيران داخلية، لا تتجاوز مدتها الساعة أو الساعتين، أن تفوق في تكلفتها في بعض الأحيان أسعار الرحلات الخارجية إلى دول مجاورة أو وجهات إقليمية؟! كيف أصبح السفر بين مدن الوطن “عقوبة مالية” يدفعها المواطن لمجرد أنه أراد صلة رحم، أو عملاً، أو استكشافاً لأرجاء وطنه؟
الأزمة ليست في الناقل الوطني التقليدي فحسب؛ فحتى ذلك الطيران الذي يُسَوّق لنا مجازاً تحت مسمى “الطيران الاقتصادي”، بات يمارس استنزافاً علنياً للجيوب بأسعار قد تبدو أقل قليلاً في ظاهرها، لكنها الأسوأ والأكثر إجحافاً في خدماتها رحلة مع الطيران “الاقتصادي” تعني رحلة من المشقة؛ بوابات في أقصى المطارات أو منزوية في “القبو” واضطرار لركوب حافلات تنقل المسافرين بدلاً من الممرات المباشرة، فضلاً عن فلسفة “الرسوم المخفية” التي تجعل كل خدمة أساسية عبئاً إضافياً؛ فلا طعام، ولا شحن للحقائب إلا بزيادة مبالغ فيها تُدفع فوق سعر الحجز الأساسي، ليجد المواطن نفسه في النهاية وقد دفع قيمة تذكرة كاملة مقابل “لا شيء”!
نحن أمام معضلة مزدوجة: خدمات تقليدية أو منعدمة، مقابل أسعار فلكية تأخير متكرر، مقاعد مستهلكة، وخدمات أرضية وجوية لا تعكس إطلاقاً الميزانيات المليارية، ولا الهوية الجديدة التي نسمع عنها في المؤتمرات ونراها في الإعلانات، بينما نفتقد أثرها على أرض الواقع.

إن ما يحدث اليوم في تسعير الرحلات الداخلية بشتى أنواعها قد يراه البعض طرد ممنهج للسياحة الداخلية، وعائق حقيقي أمام تحقيق مستهدفات جودة الحياة حين يجد المواطن أن قضاء إجازة نهاية الأسبوع في مدينة سعودية قد يكلفه ما يقارب أو يفوق تكلفة السفر لبعض الوجهات الخارجية، فإن الخيار لن يكون في صالح السياحة الوطنية، والسبب ليس عزوفاً من المواطن، بل مبالغة غير مبررة في فرض أسعار لا ترحم جيوب المستهلكين.
شركات الطيران لدينا يجب ألا تتعامل مع الراكب كـ “مضطر” لا خيار أمامه، بل كـ “شريك” في التنمية الاحتكار وغياب المنافسة الشرسة في بعض الخطوط لن يصنع قطاع طيران مستدام.
نحن لا نطالب بالهبات، بل نطالب بالعدالة والتوازن: إما أسعار عادلة تناسب الخدمات العادية، أو خدمات استثنائية تبرر هذه الأرقام الفلكية أما بقاء الوضع على ما هو عليه؛ أسعار كالنار وخدمات كالرماد، فهو أمر لم يعد مقبولاً، ولا يمكن أن يستمر السكوت عليه.

في مصافحتي الأولى لكم، اخترت المقعد الساخن، لأن الصحافة الحقيقية هي التي تنقل نبض الرصيف إلى طاولة المسؤول.. وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى