لم يعد منطق أن يقضي الفرد في التعليم العام 12 عامًا أمرًا مقبولًا أو ذا جدوى في يومنا هذا؛ فحين حُدّدت هذه السنوات الدراسية الطويلة في القرن الماضي كانت المعلومة فيه نادرة، والكتاب هو المصدر الوحيد للحصول عليها. أمّا في العصر الحالي الذي يتسارع فيه العلم وأدوات الذكاء الاصطناعي، فإنّ المعادلة ستتغير حتمًا؛ إذ يمكن توفير معلم شخصيّ لكلّ طالب. فهل من الحكمة أن نكرر لأبنائنا نمط التعلم نفسه بهيكله الزمني الذي نشأنا عليه و استمر عقودًا؟
في هذا المقال سوف أناقش مبررات ضرورة اختصار سنوات التعليم العام، ولعلّ من أهمها المبرّرات العلمية حيث تتسارع دورة المعرفة و تتراكم بشكل مذهل، وأصبح هذا دافعًا وحافزًا لمن يؤيد الاختصار الزمني؛ فالمعارف العلمية يتمّ تحديثها كلّ ثانية، و ما كان يُدرّس من علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات في ثلاث سنوات أصبح من الممكن تكثيفه في مدة أقلّ، وذلك بالتركيز على المفاهيم الأساسية واستبعاد المكرّر، إذ لم يعد الطالب بحاجة لعام دراسي كامل ليفهم “قانون نيوتن” مثلًا، بينما يمكنه مشاهدة محاكاة تفاعلية لذلك القانون في دقائق،. وقد اختصر العلم الحديث بأدواته الجديدة زمن الفهم والاستيعاب؛ فأدوات الذكاء الاصطناعي بإمكانها شرح مسألة ما عشر مرات لكلّ طالب على حدة، و بأساليب مختلفة تتناسب مع احتياجاته حتى يفهمها، بل وتختبره على الفور، ثم تقدّم له تمارين إضافية في الأمور التي لم يفهمها إلى أن يتقنها. فزمن الوصول للإتقان تمّ اختزاله، وهو ما يوفر الكثير من الجهد والوقت.
كما يتميز هذا العصر بالتركيز على المهارات بدلًا من التركيز على حشو أذهان الطلاب بالمعلومات؛ وهذا يتطلب إعادة النظر في كثير من المعلومات المكررة في كافة المراحل الدراسية، وبالتالي تقليص المدة الزمنية التي يستغرقها الطالب لإنهاء تعليمه الأساسي، وهو ما يمكن تسميته “غربلة المناهج”، و تستلزم هذه العملية الاحتفاظ بالأساسيات الثابتة في العلوم المختلفة كالقراءة، والرياضيات، واللغة، والتفكير النقدي، والبرمجة، والمهارات الحياتية، وهي الأهم في هذا العصر التقني. بينما يمكن تحويل باقي المحتوى إلى مسارات اختيارية بعد سن السادسة عشر، وبهذا أزعم أننا نستطيع تخريج طلاب أقدر على استيعاب الجديد المفيد دون أن يكونوا مثقلين بمعارف قد لا تكون ذات فائدة.
كما أنني أرى أن اختصار سنوات الدراسة الطويلة قد يكون له تأثير مباشر على العائد الاقتصادي؛ فكلّ سنة دراسية تكلّف الأسرة والدولة مالًا ووقتًا، وبالتالي فإنّ تقليص مدة الدراسة ثلاث سنوات من المدة المخصصة لإتمام التعليم العام يعني إتاحة المجال للالتحاق بالجامعة في سنّ مبكرة ، مما يعني دخول الشباب سوق العمل أو الجامعة بعمر (15-16) وهو ما يقلّل الإجهاد النفسي والجسمي لشبابنا، فتتوجّه طاقاتهم نحو الإنجاز والابتكار، كما يوفّر موارد من الممكن استثمارها في التعليم الجامعي النوعي بدلًا من التكرار الحاصل في مناهج المرحلتين المتوسطة والثانوية؛ فاختصار سنوات التعليم يوفر الكثير على المدى القصير، فكلّ سنة دراسية يتمّ اختصارها تعني تخفيضًا مباشرًا في كلفة التشغيل: كلفة رواتب المعلمين، وكلفة الكتب، والكلفة التشغيلية للمدارس من صيانة وغيره، فيتحول التركيز إلى موارد يعاد استثمارها في رفع جودة التعليم أو في التدريب المهني والتقني.
أما على المستوى الفردي فلا شك أن تخرّج الطالب بعمر 15 بدلًا من 18 يعني دخوله سوق العمل أو الجامعة مبكرًا، و هذا يعني تسريع عجلة الإنتاج الوطني ورفع متوسط العمر الإنتاجي للمواطن.
وعند إجراء مقارنة مرجعية سريعة أجد أنّ العالم المتقدم بدأ يتحرك فعلًا في هذا الاتجاه؛ فالتجارب الدولية أثبتت وتثبت أن تقليص السنوات لا يعني تدني الجودة إذا أُحسن اختيار التصميم، فعلى سبيل المثال لا الحصر بدأت المملكة المتحدة مسار 13 سنة دراسية، ببداية مبكرة للتخصص؛ فالطالب البريطاني يدرس 13 عامًا، و لكنه يبدأ في عمر 16 بما يسمى A Levels ،وهي سنتا تخصص دقيق بالتركيز على 3-4 مقررات فقط، وهذا بمثابة تخصص جامعي مبكر. كذلك تعتمد كلّ من سنغافورة وفنلندا في تعليمهما على كثافة أقلّ و مخرجات أعلى، و هاتان الدولتان تتصدران نتائج اختبارات “بيزا” عالميًا، على الرغم من أن ساعات الدراسة الأسبوعية عندهما أقلّ من دول أخرى كثيرة. و يكمن السرّ في حذف المكرر والتركيز على الفهم والتطبيق. و قد بدأت فنلندا تدرس فكرة “مراحل مرنة” لا تعتمد على السن فقط بل على إتقان المهارات.
وكذلك فإنّ كلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا تعتمدان نظام الكريديت (نظام الساعات المعتمدة أو نظام الوحدات الدراسية) والانتقال إلى مستوى أعلى بالكفايات لا المقررات؛ فهناك طلبة متفوقون يمكنهم التخرج من الثانوية بعمر 16-17 عبر “AP Courses” و”Dual Enrollment” مع الكليات. والنظام هناك أكثر مرونة، فلا يجبر الطالب على المكوث في المرحلة سنوات كاملة إذا أثبت كفاءته، فهي أنظمة مرنة يتمّ انتقال الطلبة فيها بالكفاءة لا بالتقويم الزمني.
والمقترح هنا أن يكون الانتقال بالكفاءة والاستعداد المهاري لا بالعمر ولا بسنوات محددة سلفًا، و لا ينتقل الطالب للمرحلة التالية إلا بعد اجتياز اختبار كفايات معتمد وطنيًا.
الخلاصة من المقارنة أن الدول المتقدمة لم تعد تركّز على “عدد السنوات” بل على “إتقان الكفايات” و من يثبت كفاءته ينتقل لمرحلة أخرى أما من يحتاج المزيد من الوقت فيمكنه البقاء إلى أن يتقن.
والهدفان اللذان يُراد تحقيقهما معًا في هذا السياق المقترح هما : اختصار زمن الوصول للجامعة ، ورفع جودة المدخلات الجامعية. و المقترح أن تقدّم وزارة التعليم مسار 1.5 + 1.5؛أي أنّ المرحلة المتوسطة ومدتها ثلاث سنوات حاليا تُدمج في مسار مكثف مدته18 شهرًا، فيحذف أكثر من 40% من المكرّر (بين صف أول وثاني وثالث متوسط) مع اعتماد منصة وطنية ذكية للتدريب الذاتي والمراجعة، و قد يتكوّن اليوم الدراسي فيها من أربع مقررات أساسية فقط بالإضافة إلى مشروع تطبيقي أسبوعي يعزّز الفهم. كذلك يتمّ ضغط المرحلة الثانوية: من 3 سنوات لتصبح سنة ونصف؛ أي أن يتفرغ الطالب لمسارين من الصف الأول الثانوي أحدهما مسار أكاديمي مكثف: رياضيات، أو علوم، أو لغة عربية أو لغة انجليزية أو فلسفة أو تفكير نقدي و مدته 18 شهراً تؤهل الطالب مباشرة لدخول الجامعة أو للمسار المهني التقني: بالشراكة مع الكليات التقنية، ويركز فيه على مهارات البرمجة، و التصميم، والصيانة، وريادة الأعمال. وبذلك يتخرج الطالب بشهادة ثانوية و شهادة مهارة. وبنهاية المسارين قد يكون عمر الخريج بين 15-16 سنة، يحظى فيها بطاقة أعلى، وخيارات مستقبلية أوضح.
كما يمكن وضع ضمانات تمنع أي تراجع في جودة التعليم، وقد ينجز المتفوق مهامه في عام، و بينما يأخذ متوسط الأداء عامًا ونصف. وبذلك سيتحول دور المعلم في هذا النمط الجديد من ملقّن إلى موجّه مشاريع ومدرب مهارات. و يتولى الذكاء الاصطناعي الشرح، و يتولى المعلم التوجيه وبناء القيم. وقد يكون هذا المقترح تجربة مرحلية يأتي فيها التطبيق كمسار اختياري في 50 مدرسة مدة 3 سنوات، ثم تُقاس النتائج قبل تعميمها. ولا شك أن تبنّي وزارة التعليم مسار ” 1.5 + 1.5″ سيجعلها أول وزارة عربية تقود تحوّلًا جذريًا يليق بعصر السرعة والذكاء الاصطناعي.
وفي الختام يعدّ تقليص سنوات التعليم العام إعادة هندسة للتعليم وفق معطيات تفرضها المرحلة، و لا تعني “اختزال التعليم”، وذلك بإعادة توزيع زمني أكثر كفاءة اقتصادية، و بخلق قيمة مضافة للفرد والوطن معًا. فنحن لا نهدف إلى اختزال العلم، بل اختصار الزمن المهدر، فإذا كانت فنلندا و سنغافورة اختصرتا الساعات، و بريطانيا اختصرت التخصص، و أمريكا اختصرت زمن التخرج للمتفوقين، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يمنحنا الفرصة لنحقق أهدافنا التنموية باختصار سنوات من عمر أبنائنا و تعزيز سنوات التعليم العالي لإنتاج متميز وإبداع بلا ملل. فالمستقبل لمن يجرؤ على مراجعة مساراته، لا لمن يتمسك بها.






