
بعد انتهاء البرنامج التدريبي، لا يكفي أن يحصل الشاب على شهادة جديدة تُضاف إلى ملفه؛ فالسؤال الأهم هو: ما الذي تغيّر فعليًا في حياته؟ هل حصل على وظيفة؟ هل تحسن دخله؟ هل أصبح أكثر قدرة على تنفيذ المهام المهنية؟ أم استطاع تحويل المهارة التي اكتسبها إلى مشروع أو فرصة عمل مستقلة؟
هذا السؤال يتصدر النقاش حول مستقبل مهارات الشباب، بالتزامن مع اليوم العالمي لمهارات الشباب، الموافق 15 يوليو، ومع ختام أعمال المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026؛ إذ تتزايد الدعوات إلى الانتقال من قياس حجم البرامج التدريبية إلى قياس أثرها الحقيقي في حياة الشباب وسوق العمل.
ويرى عضو هيئة التدريب في الكلية التقنية بالرياض د. عبدالعزيز الدهمشي أن أعداد المتدربين لا تمثل وحدها دليلًا على نجاح البرامج، مؤكدًا أن التوظيف، وتحسن مستوى الدخل، واستمرار المشروعات التي يطلقها المتدربون، هي المؤشرات الأكثر دلالة على القيمة الفعلية للتدريب.
الأثر يبدأ بعد مغادرة قاعة التدريب
تعلن كثير من الجهات عن نجاح برامجها من خلال أعداد المسجلين، ونسب الحضور، والساعات التدريبية، وعدد الشهادات التي مُنحت للمشاركين. ورغم أهمية هذه الأرقام في قياس حجم الوصول، فإنها لا تكشف ما إذا كان المتدرب قد اكتسب مهارة يستطيع استخدامها في بيئة العمل.
وقال د. عبدالعزيز الدهمشي:
«أرى أن نجاح هذه البرامج يُقاس بنسبة التوظيف، وتحسن مستوى الدخل، ونجاح المشروعات التي أُطلقت. فالتركيز على أعداد المتدربين فقط يُعد هدرًا للموارد؛ لأن العبرة بالنتيجة والأثر الفعلي في سوق العمل».
وبحسب هذه الرؤية، فإن تدريب ألف شاب لا يعني بالضرورة نجاح البرنامج، ما لم تظهر نتائج ملموسة بعد انتهاء التدريب. فقد يكتسب المتدرب معرفة نظرية، لكنه لا يستطيع توظيفها في مهمة عملية، أو قد يحصل على شهادة دون أن تتحسن فرصه في العمل.
ولهذا، يصبح نجاح البرنامج مرتبطًا بقدرته على إحداث تحول مهني يمكن رصده، سواء من خلال الحصول على وظيفة، أو الانتقال إلى وظيفة أفضل، أو زيادة الإنتاجية، أو رفع الدخل، أو إطلاق مشروع قابل للاستمرار.
من مؤشرات النشاط إلى مؤشرات النتائج
تحتاج الجهات المقدمة لبرامج مهارات الشباب إلى التمييز بين نوعين من المؤشرات؛ الأول يقيس ما نفذته الجهة، والثاني يقيس ما تحقق للمستفيد.
تشمل مؤشرات النشاط عدد المتدربين، ونسبة الحضور، وعدد الساعات التدريبية، ونسبة إكمال البرنامج. أما مؤشرات النتائج، فتشمل نسبة التوظيف بعد التدريب، والتحسن في الدخل، والتطور الوظيفي، وجودة المشروعات التي أُطلقت، ومدى رضا جهات العمل عن أداء الخريجين.
ولا يعني ذلك إلغاء مؤشرات الحضور والإكمال، وإنما وضعها في موقعها الصحيح باعتبارها مرحلة أولية في القياس، وليست النتيجة النهائية.
ولتحقيق ذلك، ينبغي للجهات التدريبية متابعة المتدربين بعد ثلاثة أو ستة أشهر من انتهاء البرنامج، ومقارنة وضعهم المهني قبل التدريب وبعده، إلى جانب رصد مدى استخدامهم للمهارات التي اكتسبوها في وظائفهم أو مشروعاتهم.
الفجوة تبدأ من غلبة الجانب النظري
إلى جانب ضعف قياس أثر التدريب، تبرز فجوة أخرى بين ما يتعلمه الشباب داخل المؤسسات التعليمية وما يحتاجون إليه عند الدخول إلى سوق العمل.
ويحدد الدهمشي هذه الفجوة في التركيز على الجوانب النظرية مقابل محدودية التطبيق في بيئات مهنية حقيقية.
وقال:
«الفجوة الأبرز تتمثل في التركيز على الجانب النظري وضعف التطبيق العملي، ويمكن تقليصها من خلال فرض تدريب مهني ومشروعات تطبيقية إلزامية للطلاب في بيئات عمل حقيقية قبل التخرج».
وتظهر هذه الفجوة عندما يمتلك الخريج المعرفة الأساسية في تخصصه، لكنه يواجه صعوبة في تحويلها إلى تقرير، أو منتج، أو حل، أو مشروع، أو قرار مهني. كما قد يفتقر إلى الخبرة في التعامل مع فريق العمل، أو إدارة الوقت، أو حل المشكلات، أو استخدام الأدوات الرقمية المرتبطة بمجاله.
ومن هنا، فإن تقليص الفجوة لا يبدأ بعد التخرج، بل خلال سنوات الدراسة، عبر توفير تجارب تطبيقية منتظمة تضع الطالب أمام مشكلات حقيقية، وتجعله مسؤولًا عن تقديم حلول قابلة للتنفيذ والتقييم.
التدريب المهني ليس مرحلة شكلية
لا يتحقق الربط بين التعليم وسوق العمل بمجرد إلحاق الطالب بتدريب قصير في نهاية البرنامج الدراسي، خصوصًا عندما يقتصر التدريب على الملاحظة أو تنفيذ مهام هامشية.
ويحتاج التدريب المهني إلى أن يكون جزءًا أساسيًا من المنهج، بمخرجات واضحة ومسؤوليات محددة وتقييم مشترك بين المؤسسة التعليمية وجهة العمل.
كما ينبغي أن ينتهي التدريب بمشروع أو منتج يثبت ما أنجزه الطالب، ويضاف إلى ملف إنجازه المهني، بدلًا من الاكتفاء بخطاب حضور أو شهادة إتمام.
ويشمل ذلك تكليف الطلاب بإعداد دراسات حالة، وحل مشكلات مقدمة من جهات عمل، وتنفيذ حملات أو نماذج أو تقارير أو منتجات تتناسب مع تخصصاتهم.
بهذه الطريقة، يتخرج الشاب وهو يمتلك دليلًا عمليًا على قدرته، وليس مجرد سجل يتضمن المواد التي درسها.
كيف تقلص المؤسسات التعليمية الفجوة؟
يمكن للمؤسسات التعليمية والتدريبية تقليص الفجوة قبل التخرج من خلال إشراك أصحاب العمل في مراجعة المناهج، وتحديث المحتوى بما يتناسب مع التحولات المهنية، وربط كل مقرر بمهمة أو منتج تطبيقي.
كما يتطلب ذلك:
- إدراج التدريب المهني بوصفه مكونًا إلزاميًا.
- تقييم الطلاب من خلال المشروعات والأداء العملي.
- توفير مشكلات حقيقية من جهات العمل ليعمل الطلاب على حلها.
- تدريب الطلاب على أدوات العمل المستخدمة في القطاعات.
- إنشاء ملف إنجاز مهني لكل طالب.
- متابعة الخريجين بعد التخرج.
- الاستفادة من تقييم جهات العمل في تطوير البرامج.
- تحديث المهارات المستهدفة بصورة دورية.
ويؤدي هذا النموذج إلى اكتشاف جوانب الضعف لدى الطالب قبل تخرجه، ومنحه فرصة لمعالجتها في بيئة تعليمية، بدلًا من اكتشافها للمرة الأولى أثناء المقابلة الوظيفية أو بعد الالتحاق بالعمل.
الذكاء الاصطناعي مهارة عابرة للتخصصات
مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لم تعد المهارات الرقمية حكرًا على طلاب الحاسب والهندسة، بل أصبحت جزءًا من العمل اليومي في الإعلام، والإدارة، والتعليم، والتسويق، والموارد البشرية، والخدمة الاجتماعية، والصحة، والقانون وغيرها.
ويرى د. عبدالعزيز الدهمشي أن معرفة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT، تمثل مهارة أساسية للشباب، إلى جانب القدرة على صياغة الأوامر والتعليمات بطريقة دقيقة.
وقال:
«أعتقد أن الأهم هو معرفة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، واكتساب مهارة صياغة الأوامر بدقة للحصول على نتائج صحيحة؛ مما يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية».
ولا تقتصر هذه المهارة على كتابة سؤال للأداة، بل تشمل القدرة على تحديد المطلوب، وتقديم السياق، ووضع الشروط والمعايير، ومراجعة الإجابة، والتحقق من المعلومات، وتحسين النتيجة قبل استخدامها.
الاستخدام الجيد لا يعني الاعتماد الكامل
رغم قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على توفير الوقت وتسريع إنجاز المهام، فإن استخدامها دون مراجعة قد يؤدي إلى أخطاء مهنية أو معلومات غير دقيقة.
ولهذا يحتاج الشباب في مختلف التخصصات إلى مجموعة من المهارات المتكاملة، من أبرزها:
- فهم إمكانات أدوات الذكاء الاصطناعي وحدودها.
- صياغة الأوامر والتعليمات بدقة.
- التحقق من المعلومات والنتائج.
- حماية البيانات والخصوصية.
- تحليل البيانات واستخلاص المؤشرات.
- الاستخدام الأخلاقي والمسؤول.
- معرفة المهام التي تحتاج إلى حكم بشري.
- دمج التقنية في التخصص دون إلغاء الخبرة المهنية.
فالمطلوب ليس أن يستبدل الشاب مهاراته بالأداة، وإنما أن يستخدم التقنية لتطوير أدائه، مع الاحتفاظ بالقدرة على التحليل والنقد واتخاذ القرار.
جودة البرامج لا تقاس يوم الختام
تُظهر قراءة د. عبدالعزيز الدهمشي أن اللحظة التي ينتهي فيها البرنامج التدريبي ليست نهاية عملية القياس، بل بدايتها الحقيقية.
ففي يوم الختام يمكن للجهة أن تعرف عدد الحاضرين ونسبة الإكمال، لكنها لا تستطيع معرفة أثر البرنامج إلا بعد متابعة المتدربين ورصد ما حدث في مساراتهم المهنية.
ويصبح السؤال الأساسي لكل برنامج: كم متدربًا حصل على وظيفة؟ كم منهم استخدم المهارة؟ هل تحسن دخله؟ هل أطلق مشروعًا؟ وهل يرى صاحب العمل فرقًا في أدائه؟
وعندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من تصميم البرامج منذ البداية، تنتقل منظومة التدريب من تنفيذ الأنشطة إلى صناعة الأثر.
الخلاصة
لا تُقاس قيمة برامج مهارات الشباب بكثرة الدورات أو الشهادات، وإنما بما تتركه من تحول في حياة المستفيدين.
فالتدريب الناجح هو الذي يمنح الشاب مهارة يستخدمها، وفرصة يصل إليها، ودخلًا يتحسن، ومشروعًا يمكنه الاستمرار. كما أن التعليم الأكثر ارتباطًا بالمستقبل هو الذي يمنح الطالب فرصة التطبيق قبل التخرج، ويؤهله لاستخدام التقنيات الحديثة بوعي ومسؤولية.
وفي عالم عمل تتغير أدواته ومتطلباته بسرعة، يبقى المعيار الأهم هو قدرة الشاب على الانتقال من المعرفة إلى الإنجاز، وقدرة الجهة التعليمية أو التدريبية على إثبات أن برامجها أحدثت فرقًا يمكن قياسه.
«التركيز على أعداد المتدربين فقط يُعد هدرًا للموارد؛ لأن العبرة بالنتيجة والأثر الفعلي في سوق العمل».
«الفجوة الأبرز تتمثل في التركيز على الجانب النظري وضعف التطبيق العملي».
«صياغة الأوامر بدقة تسهم في الحصول على نتائج صحيحة وتسريع إنجاز المهام اليومية».






