From makkah to the worldتحقيقات وتقارير

قراءة استثمارية في مخرجات جلسة الهدف التاسع بالمنتدى السياسي رفيع المستوى 2026

حين يكتشف العالم أن المال ليس المشكلة

في قاعات المؤتمرات الاقتصادية، اعتدنا سماع شكوى تتكرر منذ عقود: لا يوجد تمويل كافٍ. لكن القراءة المتأنية لما خرجت به مناقشات الهدف التاسع — الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية — ضمن المنتدى السياسي رفيع المستوى لعام 2026 تكشف أن المشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد ندرة المال.

فالمخرجات الأممية تصف الهدف التاسع بأنه محرك الإنتاج لأجندة 2030؛ لما يؤديه من دور في رفع الإنتاجية، وصناعة الوظائف، وتطوير التقنية، ودفع التحول الهيكلي للاقتصادات. ومع ذلك، لا يزال معظم مساراته متعثرًا أو بعيدًا عن الاتجاه المطلوب، فيما يسير البحث والتطوير والوصول إلى تقنيات الاتصال بصورة أفضل من التصنيع والتطوير التقني وتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة.  

ومن زاوية عملي في تقييم المشروعات وهيكلة الاستثمارات، أرى أن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه لم يعد: أين المال؟ بل: أين المشروعات المهيأة لاستقبال المال، وإثبات جدواها، وتحويل التمويل إلى أثر اقتصادي دائم؟ وهذه هي الأطروحة الأساسية التي تقوم عليها هذه القراءة. 

قراءة تحليلية – جلسة الهدف التاسع (الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية) – HLPF 2026.docx

فجوة التمويل أم فجوة الجاهزية؟

لا تعاني الأسواق العالمية من غياب كامل للسيولة، بقدر ما تعاني من نقص الجسور التي تصل بين رأس المال الباحث عن الفرص والمشروعات الباحثة عن التمويل.

فقد تمتلك المنشأة فكرة واعدة، أو منتجًا مطلوبًا، أو فرصة واضحة داخل السوق، لكنها لا تصل إلى مرحلة الجاهزية الاستثمارية. وقد تغيب عنها دراسة الطلب، أو خطة التشغيل، أو نموذج التدفقات النقدية، أو طريقة توزيع المخاطر، أو المؤشرات التي تثبت للممول أن المشروع قادر على الاستمرار والتوسع.

الممول لا يسأل فقط: هل المشروع مهم؟ بل يسأل:

هل الطلب حقيقي؟ وهل يمكن قياسه؟
هل المخاطر معروفة وقابلة للإدارة؟
هل النموذج التشغيلي مستدام؟
ما قدرة المشروع على النمو؟
وما الأثر الذي سيحققه التمويل على الاقتصاد والمجتمع؟

ولهذا فإن جانبًا أساسيًا من فجوة التمويل هو في حقيقته فجوة جاهزية وجدوى وثقة.

العالم يتحدث لغة جديدة لدراسات الجدوى

أكثر ما استوقفني في مخرجات الهدف التاسع هو الانتقال من التركيز على حجم الاستثمار المعبأ إلى السؤال عن فعالية الاستثمار ونتائجه.

لم يعد كافيًا أن تعلن الجهات عن توقيع استثمارات بمليارات الدولارات. السؤال الأكثر أهمية هو: كم فرصة عمل خلقت هذه الاستثمارات؟ كم تقنية وُطّنت؟ وما مقدار ما أضافته إلى إنتاجية الاقتصاد وقدرته التنافسية؟

هذا التحول يعيد تعريف دراسة الجدوى نفسها.

فالدراسة التي تكتفي باحتساب معدل العائد الداخلي، وصافي القيمة الحالية، وفترة استرداد رأس المال، تقدم جزءًا مهمًا من الصورة، لكنها لا تقدم الصورة كاملة، خصوصًا في المشروعات الصناعية والتنموية الكبرى.

دراسة الجدوى الحديثة يجب أن تدمج، منذ مرحلة التقييم الأولى:

العائد المالي، والتوظيف، والمحتوى المحلي، ونقل المعرفة، والأثر البيئي، ورفع الإنتاجية.

هذه ليست فقرات تجميلية تضاف في خاتمة التقرير، بل معايير ينبغي أن تدخل في صلب قرار الاستثمار.

«الوسط المفقود» في تمويل المنشآت

شخصت المخرجات الأممية تحديًا يمكن وصفه بـالوسط المفقود: منشآت تجاوزت مرحلة التمويل الأصغر، لكنها لم تبلغ الحجم أو السجل الائتماني الذي يسمح لها بالحصول على تمويل تجاري كبير.

وتشير مخرجات اجتماع خبراء الهدف التاسع إلى أن منشأة واحدة فقط تقريبًا من بين كل ثلاث منشآت صغيرة ومتوسطة عالميًا تستطيع الوصول إلى الائتمان، وهو ما يحد من قدرتها على تطوير التقنية والتوسع والدخول في سلاسل القيمة الصناعية.  

هذه المنشآت لا تكون بالضرورة ضعيفة أو غير مجدية، لكنها تقع بين أداتين لا تناسبان مرحلتها:

تمويل صغير لم يعد كافيًا لنموها، وتمويل مؤسسي لا تزال متطلباته أعلى من إمكاناتها الحالية.

وهنا تظهر أهمية رأس المال الصبور القادر على انتظار دورات التطوير الصناعي الطويلة، والتمويل المخلوط الذي يجمع التمويل الحكومي الميسر بالاستثمار الخاص للحد من مخاطر المراحل المبكرة. وقد وضعت المخرجات الأممية تعبئة التمويل طويل الأجل، والتمويل المخلوط، ومشاركة القطاع الخاص ضمن أولويات تسريع الهدف التاسع.  

لكن أياً من هذه الأدوات لن يعمل بكفاءة من دون دراسات جدوى تقنع الممول بأن المخاطرة محسوبة، وأن المشروع قابل للتوسع، وأن أثره يمكن قياسه.

المشروع الصناعي بلا ذراع رقمية ناقص الجدوى

التمويل ليس البطل الوحيد في هذه الحكاية. فقد وضعت مخرجات الهدف التاسع إلى جانبه التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبحث والتطوير.

وأصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الإنتاج والخدمات اللوجستية وكفاءة الطاقة، لكن نقص البنية الرقمية والبيانات والمهارات لا يزال يحد من قدرة كثير من الاقتصادات على المشاركة الفاعلة في هذا التحول. كما دعت التوصيات إلى التعامل مع البيانات والأنظمة الرقمية بوصفها بنية تحتية استراتيجية.  

وبالنسبة لمن يعمل في تقييم الجدوى، تقود هذه النتيجة إلى خلاصة مباشرة:

المشروع الصناعي الذي لا يمتلك ذراعًا رقمية أو قدرة بحثية وتطويرية أصبح مشروعًا ناقص الجدوى، مهما بدت أرقامه المالية مغرية على الورق.

فقد يحقق المشروع نتائج مقبولة خلال سنواته الأولى، لكنه سيفقد قدرته التنافسية إذا لم يستطع استخدام البيانات لتحسين الإنتاج، وخفض الهدر، وتوقع الأعطال، وتطوير منتجاته، والاستجابة للمتغيرات في سلاسل الإمداد.

ويعزز ذلك نمو الاستثمار العالمي في البحث والتطوير بنحو 5% سنويًا، في وقت لا تزال فيه القدرات المتقدمة مركزة في الاقتصادات مرتفعة الدخل، فيما يحد ضعف الروابط بين الجامعات والصناعة من تحويل المعرفة إلى منتجات وحلول قابلة للتسويق في عدد من الدول النامية.  

المملكة.. من التوصية إلى التنفيذ

تصل هذه الرسائل إلى المملكة في مرحلة متقدمة من التحول الصناعي والاستثماري، حيث تتقاطع السياسات الصناعية، والتمويل التنموي، والمحتوى المحلي، والتحول الرقمي، وتنمية القدرات البشرية ضمن إطار رؤية السعودية 2030.

وما يميز التجربة السعودية ليس ضخامة الاستثمار وحدها، بل التوجه نحو ربطه بأهداف أوسع، تشمل التوطين، وتطوير سلاسل القيمة، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.

ويتقاطع هذا التوجه مع المشاركة السعودية في المنتدى السياسي رفيع المستوى لعام 2026، التي تتضمن الفعالية الرسمية «إعادة التفكير في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال منهجيات تحديد الأولويات والتنفيذ»، إلى جانب معرض «تعزيز الاستدامة في المملكة العربية السعودية» المخصص لإبراز المبادرات والإنجازات الوطنية الداعمة للاستدامة.  

والكلمة الأهم هنا هي: التنفيذ.

فالمعرض يعرض المبادرات والنتائج، لكن القراءة الاستثمارية تبحث عن البنية التي جعلت هذه النتائج ممكنة: مشروع مهيأ، وجدوى قابلة للدفاع عنها، وتمويل مناسب لطبيعة المشروع، وآلية واضحة لقياس الأثر.

الإنجاز لا يلغي الاختبار

القراءة المنصفة لا تكتفي بتسجيل نقاط التقدم؛ فالمملكة، كغيرها من الاقتصادات التي تمر بتحولات صناعية واسعة، تقف أمام اختبارين رئيسين.

الأول: تمويل المنشآت القابلة للنمو

تحتاج المنشآت الصناعية الواعدة إلى نماذج تقييم وضمانات ائتمانية أكثر ابتكارًا، خصوصًا عندما لا تمتلك سجلًا ائتمانيًا طويلًا، لكنها تمتلك بيانات تشغيلية تعكس قدرتها على الاستمرار والنمو.

وهنا يمكن أن تتحول البصمة الرقمية للمنشأة إلى أصل قابل للتقييم. فبيانات المبيعات، والتدفقات المالية، وانتظام السداد، وكفاءة العمليات، وعلاقات المنشأة بسلاسل الإمداد قد تقدم للممول صورة أكثر دقة من الاعتماد على التاريخ الائتماني التقليدي وحده.

الثاني: توطين القدرة على قياس الأثر

الانتقال من قياس حجم الإنفاق إلى قياس الفعالية التنموية يتطلب بناء خبرات وطنية داخل الجهات التمويلية والاستثمارية، بدل الاعتماد الكامل على نماذج يتم استيرادها من بيوت الخبرة الخارجية.

فكل اقتصاد يمتلك أولوياته وخصائصه. ومن ثم يجب أن نمتلك نماذج قادرة على قياس ما يهم المملكة: الوظائف النوعية، والمحتوى المحلي، ونقل المعرفة، وتنمية المناطق، واستدامة سلاسل الإمداد، ورفع الإنتاجية.

وفي المقابل، تفتح الخبرة التي راكمتها المملكة في هيكلة وتمويل المشروعات الكبرى فرصة للتحول مستقبلًا من مستورد لنماذج التقييم إلى مطور ومصدر لها إقليميًا.

ثلاثة رهانات تسبق 2030

إذا أردت اختصار أولويات المرحلة المقبلة من زاوية التخصص في الاستثمار والجدوى، فسأضع أمامها ثلاثة رهانات رئيسة:

تحويل البيانات التشغيلية إلى أصل ائتماني

ينبغي تطوير أدوات تسمح باستخدام البيانات الرقمية والتشغيلية للمنشآت في تقييم جدارتها الائتمانية، بما يفتح التمويل أمام منشآت لا تملك سجلًا طويلًا، لكنها تقدم أداءً تشغيليًا قابلًا للإثبات.

إدماج الأثر في نموذج الجدوى

يجب ألا يبقى قياس الوظائف والمحتوى المحلي ونقل المعرفة تقريرًا منفصلًا عن دراسة الجدوى، بل يصبح جزءًا من نموذج التقييم نفسه ومن قرار التمويل والاستثمار.

ربط الاستثمار التقني ببناء القدرات

ينبغي ربط الاستثمارات الكبرى في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتقنيات الصناعية بمسارات واضحة لتدريب وتأهيل الكفاءات الوطنية ونقل المعرفة.

فشراء التقنية قد يحقق منفعة تشغيلية مباشرة، لكن امتلاك القدرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها يحقق أثرًا اقتصاديًا أكثر استدامة.

من نيويورك إلى الرياض

الخلاصة التي أخرج بها من قراءة مخرجات الهدف التاسع هي أن العالم بدأ يتحدث اللغة التي تبنتها رؤية السعودية 2030 منذ انطلاقتها:

الاستثمار ليس غاية مستقلة، بل وسيلة لبناء قدرة إنتاجية وطنية دائمة.

المطلوب في المرحلة المقبلة ليس زيادة عدد المشروعات التي تحصل على التمويل فقط، بل تحسين جودة المشروعات التي يصل إليها التمويل، ورفع قدرتها على إنتاج الوظائف والمعرفة والتقنية والقيمة المحلية.

وهنا يتقدم دور ممارسي دراسات الجدوى والاستثمار: أن يصبحوا حلقة الوصل بين رأس مال يبحث عن أثر، ومشروع يبحث عن تمويل، ضمن معايير تقيس التنمية بالدقة نفسها التي تقيس بها العائد.

تلك، في تقديري، هي الرسالة الأهم التي يحملها الهدف التاسع من قاعات نيويورك إلى مكاتب الرياض.

 

«المشكلة ليست في ندرة المال وحدها، بل في ندرة المشروعات القادرة على إثبات جدواها واستقبال الاستثمار».

«دراسة الجدوى الحديثة تقيس الوظائف والمحتوى المحلي ونقل المعرفة، كما تقيس العائد وفترة الاسترداد».

«المشروع الصناعي بلا ذراع رقمية أو قدرة بحثية أصبح مشروعًا ناقص الجدوى».

«الاستثمار ليس غاية مستقلة، بل وسيلة لبناء قدرة إنتاجية وطنية دائمة».

 

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى