وطني، إليك أكتب في عيدك السادس بعد التسعين، ولا أدري: أاكتب إليك بالحبر، أم أقتطع من نبضي كلماتٍ تليق بك؟!
فبعض الأوطان تُكتب أسماؤها في جوازات السفر، وبعضها تُرسم حدودها على الخرائط، أما أنت ـ يا وطني المملكة العربية السعودية ـ فقد كُتبتَ في القلب قبل أن تُكتب في الأوراق، وسكنتَ الوجدان قبل أن أعرف معنى الحدود والجغرافيا.
أنتمي إليك كالموج إلى عطش الرمال، وكالريح التي لا تهدأ إلا بين شقوق الجبال، وفيك تجد روحي غايتها مهما تناثرت في زحمة المسافات بُغيتها.
يا وطن القلب والذاكرة..
أنتمي إلى وجهك كما تنتمي النجوم إلى السماء؛ إن غابت واحدة، أشرقت أخرى، وكأن سماءك لا تعرف العتمة طويلًا.
دعني وقلمي لأكون صدى لنبضك، وقطعةً من صمتك الذي لا يُكسر، ولأبوح إليك بوح الروح للروح.
وطني الحبيب..
يا نبضًا يسري في عروقي كصوت الرياح في ليلة خرساء، كيف لي في يومك الوطني أن أشرح حبًا لا يحتاج إلى برهان؟ وكيف أغتسل من شكي في ولائي وحبي لك، وأنا منذ أول شهقة للحياة أحملك في داخلي اسمًا وهويةً وانتماء؟!
سعيدٌ بعيدك الوطني السادس والتسعين، ولا أدرك كيف أتهندم لأحتفل بعيدك من شوقي إليك، ولا كيف أُعيد ترميم الفصول حين ينهمر المطر فرحًا في سمائك!
فأنت لست خارطةً أحدّق فيها على ورق أصفر، ولا تاريخًا يُسجَّل في كتاب ثم يُغلق؛ أنت جذرٌ ضاربٌ في عمق التاريخ، وجذرٌ آخر في القلب، وبصمةٌ لا يمحوها الزمن من دمي.
أتنفسك حين يولد الفجر ويجرح سواد الليل، معلنًا للعالم بأسره عن موعد جديد مع وطنٍ عرف كيف يحفظ جذوره، وفي الوقت نفسه يفتح نوافذه للمستقبل.
وطنٌ انطلق من عمق الصحراء، فوحّد الإنسان قبل المكان، وجمع الشتات تحت راية واحدة، ثم مضى عبر العقود يبني ويزرع ويعلّم ويصنع، حتى أصبح اليوم حاضرًا في مشهد العالم، لا متفرجًا عليه، بل شريكًا في صناعته.
وهنا يكمن جمال الحكاية السعودية..
أن نبقى أوفياء للأرض التي بدأ منها الآباء والأجداد، بينما تمتد أعين الأبناء إلى آفاق الغد؛ فلا الحداثة اقتلعت جذورنا، ولا الاعتزاز بالماضي منعنا من السير نحو المستقبل.
وفي عيدك السادس والتسعين، لا أراك مجرد وطن يحتفل بذكرى توحيده، بل أراك وطنًا يحتفل بما أصبح عليه، وبما يريد أن يكونه غدًا.
أراك في شموخ جبال السروات، وفي امتداد نجد، وفي زرقة البحر على ضفتيك، وفي نخيل الأحساء، وفي رمال الربع الخالي، وفي ضباب الجنوب، وفي هدير المدن التي لا تنام وهي تسابق الزمن.
أراك في الحرمين الشريفين حين تتجه إليهما أفئدة المسلمين، وفي مكة حين تهوي إليها القلوب قبل الأجساد، وفي المدينة حين يسكن الضجيج إجلالًا ومحبة، وفي كل شبرٍ من أرضك حكاية تستحق أن تُروى.
أسمعك حين تهمس الجبال بحكايات الصخور، وأشمّك ثرىً وترابًا وطينًا حين تفوح رائحة الأرض التي تسبق الزرع والحصاد، فاغرس فيك نخيل انتمائي وزهور ولائي، وأطلق مراكب طموحي في بحر تحقيق الأحلام.
يا وطن الغيم والغبار، والضباب والبحار..
يا حلمي الذي لا يشيخ، وكياني الذي لا يهرم ولا يبيد..
أعيد تشكيلك في داخلي كلما غفوت بين أجنحة الذكريات؛ أراك في تفاصيل طفولتنا، في أصوات آبائنا، وفي أبواب البيوت القديمة، وفي الطرق التي حملت خطانا الأولى، وفي المدارس التي تعلمنا فيها أن للوطن حقًا، وأن الراية التي ترفرف فوق رؤوسنا ليست مجرد قطعة قماش، بل تاريخٌ وهويةٌ وكرامة.
أنتمي إليك كطائرٍ إلى السماء في سربه، وكالنهر الذي لا ينحني إلا ليعانق ضفتيه.
وفيك أيقنت أن الأرض لا تُباع، ولا تُعار، ولا تُشترى حين تصبح وطنًا؛ لأن الوطن ليس عقارًا نملكه، بل هو الذي يملكنا، وليس مكانًا نسكنه، بل ذاكرةٌ تسكننا أينما ذهبنا.
والحب لك ليس لونًا ولا علمًا نرفعه في يوم ثم نطويه في اليوم التالي؛ بل هو مسؤولية وانتماء، وعملٌ وبناء، ووحدةٌ وإرادة، وشعبٌ وقيادة، وأحلامٌ وإلهام، وشموخٌ وطموح في كل خطوة نخطوها بين الأمم لنرتقي أعالي القمم.
فحب الوطن لا يُقاس بارتفاع أصواتنا في الأهازيج، بل بارتفاع هِممنا في خدمته؛ ولا بكثرة ما نكتب عنه، بل بما نضيف إليه.
أن تحب وطنك يعني أن تكون جديرًا به.
أن تحفظ مكتسباته، وتصون مقدراته، وتخلص في عملك، وتزرع في أبنائك أن السعودية ليست مجرد اسم يُكتب في خانة الجنسية، وإنما قصة مجدٍ طويلة، ومسؤولية جيل، وحلم أجيال قادمة.
وفي السادس والتسعين، نقف أمام وطن تغيّر كثيرًا، وكبر كثيرًا، وحلم كثيرًا؛ وطنٌ أصبحت أحلام أبنائه أكثر اتساعًا، وأبواب المستقبل أمامهم أكثر انفتاحًا، فيما تبقى الراية الخضراء فوق كل ذلك ثابتة، تحمل كلمة التوحيد، وتروي قصة وطنٍ لم يفصل يومًا بين إيمانه وهويته وطموحه.
يا وطن الحنين الملتف حولي كثوبٍ من شعاع الفجر..
كلما ابتعدت عنك في غربة، ازداد القلب إليك اشتياقًا، وكلما عدت إليك شعرت أن المسافر لا يعرف المعنى الحقيقي للعودة إلا حين تطأ قدماه أرض وطنه.
وحين يُنادى باسمك بين الأوطان، لا أسمعه اسمًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل أسمع شيئًا مني يُنادى..السعودية.
تختصر حروفه ذاكرة الآباء، وطموح الأبناء، ودعاء الأمهات، وعرق الرجال، وأحلام جيلٍ يرى المستقبل أمامه واسعًا بحجم هذا الوطن.
وما بين يوم التوحيد ويومنا هذا، ستة وتسعون عامًا من الحكاية السعودية؛ فصولٌ كتبها الرجال بالعزم، وأكملتها الأجيال بالبناء، وما تزال صفحاتها مفتوحة ليكتب أبناؤها القادم الأجمل.
ولأن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى مناسبة كي يُقال، سيبقى الثالث والعشرون من سبتمبر موعدًا نرفع فيه الصوت بما نهمس به طوال العام:
“نحبك يا وطن”
نحبك أرضًا وسماءً، بحرًا وجبلًا، صحراءً ومدينةً وقرية.
نحبك تاريخًا نحمله، وحاضرًا نعيشه، ومستقبلًا نصنعه.
وكل عام وأنت الوطن الذي إذا ضاقت بنا الجهات اتسعت لنا أرضه، وإذا باعدت بيننا المسافات أعادتنا إليه قلوبنا.
وكل عام ورايتك خضراء تعانق السماء، وأرضك عزيزة، وشعبك آمن، وقيادتك ووطنك في عزٍّ ومجدٍ وازدهار.
همزة وصل:
الوطن ليس قصيدةً نكتبها في سبتمبر، ثم نضع نقطةً في آخر سطرها ونمضي..
الوطن قصيدةٌ نعيشها كل يوم.
هو ذلك الشيء الذي لا ندرك كم يسكننا إلا حين نبتعد عنه، ولا نعرف كم نحبه إلا حين يُنادى باسمه أمامنا فترتجف في دواخلنا أشياء لا يراها أحد.
وفي عيدك السادس والتسعين، لا أملك لك يا وطني هديةً تليق بك سوى قلبٍ يقول لك، بصدق المحب:
إن كان للإنسان في هذه الدنيا قلبٌ واحد.. فأنت القلب.
وإن كان له بيتٌ يعود إليه مهما طال سفره.. فأنت البيت.
وإن سألوني يومًا: أي البلاد أحببت؟
سأبتسم، وأترك للقلب أن يجيب:
وطني الحبيب.. وهل أُحب سواك؟!
0






