كتاب الرأي

الكلام على قد السلام

شاهدت قبل فترة زيلينسكي وهو يلتقي كوشنر وويتكوف بالأحضان، وعرفت كيف أن لنا نحن العرب تأثيرنا الطاغي على الغرب. اللهم لا حسد، فكلها بين الغرب والعرب مجرد نقطة، لا راحت ولا جات، وبالطقاق عليها، ما فرقت. وصار العناق متاحًا وليس حكرًا على بني يعرب.
وباقي تكة زغنتوتة ويبدأون بنطح الخشوم، وهذه تعتبر قمة السلام والانسجام والاحترام. وحينذاك، إذا أحدهم طلب الآخر جميلة (أو وحشة)، يرد الآخر: «أوكي، على ماي نوز». طبعًا عندنا، بحكم حبنا للكلسترول، ردنا بيكون عليه الشحم. ولكن هم يردون: «عليه الشكن»، ناس يحافظون على صحتهم.
لقاءاتهم تبدأ يادوب بالمصافحة، وربما باللمس، ولكنها قد تنتهي بعد ذلك بساعات بشن الحروب. فالمصافحة هي مجرد ورقة التوت التي تخفي النوايا، أما العناق، الذي كلما اشتدت حرارته أنبأ بأن ما خفي أعظم. وهو يا إما، ويا إما، ويا إما.
ودعونا نعرج على حكاية «يا إما ويا إما».
يقال إن أحد سلاطين زمان، من قلة الأشغال، يحاول يسري عن نفسه، ففي لحظة تجلٍّ قال: الذي يستطيع أن يجعل الحمار يقرأ، سأمنحه مئة ألف دينار.
طبعًا ساد الصمت، ولم يرد أحدهم ببنت كلمة ولا بولدها. فلم يسره ذلك، فقال للحاجب: أريد أن تحضر لي أحد العلماء الذين يدّعون المعرفة، ولنرَ شطارتهم.
فأُحضر له أحدهم، فأعتذر للسلطان. طبعًا يعرف أن الحمار أمعصي ورأسه وألف سيف لن يقرأ. فأمر بسجنه. وهكذا، حتى دخل سجنه ثلاثة من فطاحل العلماء.
ثم أُتي بالرابع، الذي فاجأ السلطان بقوله: سأقوم بالمهمة، ولكن لي شروط.
فرد السلطان: تكلم.
قال: أريد حمارًا عركه الزمن وهو منهك، فسيتجاوب لأنه يريد أن يرتاح بعد متاعب الحياة، لأنه مع الرعاية سيعود أصغر وأحمر من ذي قبل. وأن يخصص لي غرفة خاصة، أنا والحمار، وسبورة وطباشير، وأُزوَّد ببرسيم أخضر طازج. وأريد مهلة خمس سنوات، وإذا لم يتعلم، أنا جاهز لأمركم.
فقال: يا وزير، هيئ له طلبه.
السلطان لم يكن غبيًا، ولكن أراد أن يرى نهاية هياط العالم. وكان يمر كل أسبوع أمام الغرفة تلك، فيرى العالم يأكل ويقرأ وينام، والحمار يستمتع بالبرسيم الطازج.
ومرت أشهر، والسلطان يدرك أن المعلم ما عنده سالفة. فطلبه وقال: لا أراك تعلّم الحمار.
فرد: يا سيدي، إذا انقضت المهلة سيكتب ويقرأ.
فقال الخليفة: أنا أعلم أن هذا غير ممكن، لكن كيف تجازف؟
فرد: امنحني الأمان.
فقال: هو لك.فقال: يا إما، يا إما، يا إما.
فرد: أفصح.
فقال: أما يموت الحمار، وأما أموت أنا، أو من يجلس أمامي، أمد الله في عمره.
فضحك السلطان، وعفا عنه، وأمر له بجائزة يسيل لها لعاب أكبر عالم وأحمر حمار.
وهكذا بعض الساسة يبنون أجندتهم على «يا إما، ويا إما، ويا إما».
الغرب يتعاملون مع بعض الأزمات بذلك الفكر. والعالم العربي هو طبقهم المفضل.
مثلًا، مع القضية الفلسطينية، فإما يموت نتنياهو، وإما يخسر في الانتخابات ويبدأون من جديد، ولا جديد. وغالبًا «يا إما» تموت القضية الفلسطينية، وهذا هو السهل والمطلوب.
ومع إيران، فيتعاملون معها: إما يذلف المرشد، طبعًا سيخرج مرشد آخر وينتظرون اللي بعده كذلك، وهكذا. ويا إما تنهار إيران ويخترعون مرشدًا من إياهم.
وأما يستمرون في إشعال الحروب بين إيران ووكلائها من جهة، والعرب من الجهة الأخرى، ووين ما راحت خراجها لهم.
أما بعض الدول، وخاصة الذي عنوانهم العالم الثاني والذي يبدو مع زود فلاحتهم اصبحوا العالم الثالث ، فأول «إما» لهم: نمشي مع الدولة الفلانية المربربة حتى تدخل الفلوس في الخرج. وإما الثانية: إذا وقف ضخ القروش، نرتمي في أحضان الدولة العلانية.
وبعد حلب ما تيسّر، وتوقف الضخ، نروح للإما الثالثة، وهي إعطاء الضوء الأخضر للإعلام بكل أدواته للبدء بالعويل والقدح وتزوير المواقف، ومن ثم رفع الصوت بالآهات والحسرات، واللطم الرهيب.
تزعلوا، تنددوا، تشجبوا.
شوفوا البحر شو كبير، اشربوا منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى