كتاب الرأي

خطاب سمو ولي العهد في مجلس الشورى: قراءة في حصاد الحاضر وآفاق المستقبل

جاء خطاب سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في افتتاح السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى مؤخرا، جاء ذلك الخطاب ليؤكد على سنة حميدة استنها قادة هذه البلاد المباركة منذ تأسيس أول مجلس شورى في هيئته الجديدة في 29 رجب 1414هـ/ 20/ديسمبر 1993م في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – يرحمه الله- حيث دأبوا في ذلك الخطاب على تحديد السياسة العامة للدولة، من خلال رسم سياسة المملكة الداخلية والخارجية ومواقفها بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية، والإستراتيجيات والمشاريع المستقبلية للدولة، مع التأكيد على أن مجلس الشورى شريك في صناعة القرار وصياغة سياسة الدولة. وهو ما أشار إليه رئيس مجلس الشورى بقوله إن خطاب سموه “خريطة طريق لعمل الشورى”.

وجاء الخطاب في توقيت تواجه فيه المملكة تحديات متعاظمة في محاولات من جهات خارجية لا تخفي عداوتها للمملكة من محاولة العبث بأمنها وزعزعة استقرارها، ومحاولة عرقلة مسيرتها التنموية الكبرى المعبر عنها برؤية السعودية 2030.
من هنا لابد من ملاحظة أن الخطاب أعطى أهمية خاصة ليس لأمن المملكة فقط، وإنما للأمن الخليجي ككل، انطلاقًا من الحقيقة أن أمن الخليج كل لا يتجزأ، وتعزيز التعاون الإستراتيجي والتكامل الاقتصادي الخليجي.

وقد حمل التوقيت دلالات أخرى كثيرة توقف عندها سمو ولي العهد، وأبرزها استعداد المملكة للاحتفال بيوم التأسيس المقبل الذي يصادف ذكرى مرور 300 عام على تأسيس هذا الكيان الشامخ الذي يعتبر أهم ما يميزه استقلاله منذ قيامه وعدم خضوعه لأي شكل من أشكال الاحتلال أو الاستعمار، وربما أن بلادنا هي البلد الوحيد الذي ظل حرًا مستقلاً منذ فجر التكوين. وقد جاء خطاب سموه ليس كاستعراض للانجازات التي تتحدث عن نفسها ، وإنما بدا أقرب ما يكون إلى رسم صورة متكاملة للمملكة العربية السعودية الحديثة، وإلقاء الضوء على ثوابتها وتحولاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتعاظم دورها الإقليمي والدولي.

وأكثر ما يلفت النظر في خطاب سموه التأكيد على حفاظ المملكة منذ طور التأسيس حتى الآن على كتاب الله ورسوله، وترسيخ المبادئ السامية التي قام عليها الإسلام وفي مقدمتها الاعتدال والوسطية والتسامح، والحفاظ على الإرث والقيم الأصيلة. وقد أكد سموه في خطابه على أن التطور والتحديث الذي تشهده المملكة لا يعني الانفصال عن الهوية والتاريخ ، وإنما يعتبر امتدادًا لمسيرة التطوير الذي تتخذه المملكة استراتيجية عامة لسياستها مع عدم التفريط بالثوابت والمرتكزات، والمحافظة على الهوية والقيم الوطنية، والتأكيد على مواصلة خدمة الحرمين الشريفين وعمارتها ورعاية قاصديها باعتبار ذلك شرفًا ومسؤولية متوارثة.

وأشار سموه في خطابه على مرور 10 سنوات من رؤية السعودية 2030، حققت الرؤية خلالها مؤشرات برامجها وإستراتيجياتها 93% من مستهدفاتها. وزادت خلالها الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى %51. واستمر صندوق الاستثمارات العامة في بناء منظومات اقتصادية محلية تنافسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمحتوى المحلي، وتقدمت المملكة عالميًا في مؤشرات الجاهزية الرقمية، والاتصالات والتقنية، والأمن السيبراني والحكومة الرقمية، ودخولها قائمة أكبر عشر دول جذبًا للاستثمار التعديني.

كما أشار سموه إلى تسمية عام 2026 بـ«عام الذكاء الاصطناعي»، بهدف تعزيز ريادة المملكة عالميًا في تطبيقاته وتطوير الكفاءات السعودية. وأكد سموه في خطابه على أن الإصلاحات الاقتصادية أسهمت في تنويع الاقتصاد وزيادة مرونته وقدرته على مواجهة الأزمات والمتغيرات العالمية.كما أشار سموه إلى ما توليه الدولة من أولوية لقطاعي التعليم والصحة، مع تطوير جودة التعليم وتسريع التحول الصحي. ولابد من ملاحظة أن القضية الفلسطينية تظل حاضرة في ضمير ووجدان قادة المملكة منذ عهد القائد المؤسس الملك عبد العزيز – يرحمه الله- حتى وقتنا الحاضر، وهو ما تم ملاحظته في خطاب سموه الذي نص على دعم قيام الدولة الفلسطينية وإحياء مسار السلام ومتابعة هذا الملف الذي كان أحدث تطوراته الاجتماع رفيع المستوى الذي عُقد مؤخرًا في الأمم المتحدة بمدينة نيويورك لـ تحالف حل الدولتين، بقيادة المملكة العربية السعودية وفرنسا، وبمشاركة أكثر من مئة دولة.
استنادًا إلى ما سبق، فإن خطاب سموه يمكن قراءته بوصفه خطابًا يجمع بين تأصيل الهوية والجذور السعودية الراسخة بقيمها الراسخة ، وتأكيد مسار التحول واستراتيجية التغيير، واستشراف آفاق المستقبل وكسب رهان التحول.

ما أحوجنا ونحن نستمع إلى خطاب سموه الذي يجسد معاني السمو والعلا لهذا الوطن الغالي إلى أن ندعو المولى عز وجل أن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبًا، أرضًا ومقدسات ومنجزات ، قيمًا وعزة وتراثًا وأن يديم على هذا الشعب الوفي نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء، وأن تظل بلادنا درع الإسلام وقلعة العروبة وأحسن البلدان.

د. سونيا أحمد مالكي

طبيبة - مديرة إدارة الصحة المدرسية بتعليم جدة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى