كتاب الرأي

اليوم الوطني السعودي 96.. ذاكرة التوحيد وقوة الدولة ومسؤولية المواطن

وطنٌ صنع تاريخه وصنع مستقبله
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا تستعيد المملكة حدثاً سياسياً عابراً، بل تستعيد لحظة تأسيسٍ صنعت دولةً من قلب التّفرق، ورسّخت وحدةً من قلب التّشظي، وأطلقت مشروعاً وطنياً ما زال يتّسع ويتمدّد. اليوم الوطني السعودي السادس والتسعون وعيٌ يتجدد، وذاكرةٌ تُستحضَر، ومسؤوليةٌ تُستعاد تجاه وطنٍ لم يكن وجوده الجغرافي والسياسي صدفة، بل ثمرة مشروع تأريخي قاده الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ــ طيب الله ثراه ــ عبر عقود من العمل السياسي والعسكري لبناء كيان موحد ومستقر.

التأسيس.. من التّفرق إلى الدولة
قبل التوحيد، كانت الجزيرة العربية موزعة بين كيانات ومراكز نفوذ متباينة، تتفاوت فيها مستويات الأمن والإدارة والولاء السياسي. وغياب الدولة المركزية كان يعني غياب القدرة على حماية السكان، وتأمين الطرق، وتنظيم الموارد، وبناء اقتصاد يخدم المجتمع.
من هنا، لم يكن مشروع الملك عبد العزيز توسعاً جغرافياً أو انتصاراً عسكرياً فحسب، بل انتقالاً تأريخياً من التفرق إلى الدولة، ومن تعدد الولاءات إلى وحدة الانتماء، ومن اضطراب الأمن إلى قيام سلطة قادرة على فرض النظام وحماية المجتمع. وبدأت بفضل الله الرحلة باسترداد الرياض عام 1902، وتوالت مراحل توحيد المناطق حتى صدر الإعلان التاريخي في 23 سبتمبر 1932 بتسمية البلاد المملكة العربية السعودية، إيذاناً ببدء مرحلة الدولة الحديثة.

ذاكرة وطن ومسؤولية جيل
اليوم الوطني هو ذاكرة وطن، لكنه أيضاً مسؤولية جيل. فاستحضار تضحيات الآباء والأجداد لا يكتمل إلا حين يتحول إلى سلوك يومي يحمي المُنجز، ويُعزز الوحدة، ويُرسخ احترام النظام، ويجعل المواطن شريكاً في صناعة مستقبل وطنه.
ويبقى السؤال الأهم في هذا اليوم ليس عن كيف نحتفل؟ بل ماذا يعني أن أكون مواطناً سعودياً؟ وماذا أقدم لوطني في عملي، وسلوكي، ووعيي، والتزامي، وقدرتي على حماية مكتسباته؟

السعودية اليوم.. دولة تصنع مستقبلها
تدخل المملكة اليوم مرحلة تأريخية مختلفة تقودها رؤية وطنية واسعة تُعيد صياغة الاقتصاد، وتنوع مصادر الدخل، وتُمكن الإنسان، وتدعم الابتكار، وتُوسع حضور المملكة في السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة والتقنية.
تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لم تعُد التنمية مشروعاً قطاعياً محدوداً، بل أصبحت مساراً وطنياً شاملاً لبناء دولة أكثر كفاءةً وتأثيراً واستقلالاً في قرارها. فالقوة الوطنية اليوم لا تقاس بالموارد وحدها، بل بقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى نفوذ، وفرص، وأمن، وجودة حياة، ومكانة دولية.

شعار اليوم الوطني 96.. عزّنا بطبعنا
اعتمدت الهوية الرسمية لليوم الوطني السعودي السادس والتسعين شعار عزّنا بطبعنا، ولم يكُن مجرّد عبارة احتفالية، بل قيمة وطنية عميقة. فالعزّ السعودي ليس مظهراً، بل سلوكٌ يومي يظهر في احترام النظام، والمحافظة على الممتلكات العامة، والإتقان في العمل، والوعي في التعامل مع المعلومات، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة.
العزّ ليس أن نرفع العلم في يوم واحد، بل أن نكون جديرين بالعلم كل يوم.

الوطنية.. مسؤولية يومية لا موسمية
الوطنية ليست صوراً وأهازيج، بل التزام مستمر. كلمة تُكتب، ومعلومة تُنشر، وموقف يُتخذ، وجميعها يمكن أن تُعزز صورة الوطن أو تُسيء إليها. وفي زمن تتسارع فيه الحروب الإعلامية وحملات التضليل، أصبح وعي المواطن جزءاً من الأمن الوطني، ومسؤوليته في التحقق من الأخبار وعدم ترويج الشائعات امتداداً لمسؤوليته في حماية وطنه.
كما أن قوة الدولة لا تنفصل عن قوة مجتمعها. فالمجتمع المتماسك، الواثق بقيادته، المعتز بهويته، والمنفتح على التطوير، يمثل خط الدفاع الأول عن الاستقرار، خصوصاً في إقليم مضطرب تتداخل فيه الصراعات السياسية والأمنية والاقتصادية.

الإعلام الوطني.. وعي لا تهويل
لا يكتفي الإعلام الوطني المسؤول بالاحتفال، ولا يتحول إلى منصة للمبالغة أو الإنكار. مهمته أن يرى الصورة كاملة: يبرز النجاحات، ويشرح التحديات، وينقل صوت المواطن، ويمارس النقد البناء الذي يحمي المنجز ولا يهدمه.
حب الوطن لا يعني تجاهل القصور، والنقد لا يعني التقليل من قيمة الوطن. والفارق هو المسؤولية والموضوعية.

الإنسان السعودي.. الثروة الأهم
من الرياض إلى أبها، ومن جدة إلى نجران، ومن الشرقية إلى تبوك، تتعدد الجغرافيا وتتنوع الطاقات، لكن يجمعها انتماء واحد ومستقبل واحد. وقد جعلت رؤية المملكة 2030 من تمكين الإنسان السعودي محوراً أساسياً للتحول؛ لأن الدولة القوية تحتاج إلى مواطن مؤهل، ومبادر، وواعٍ، وقادر على تحويل الفرص إلى إنجاز.

ختاماً.. وطنٌ يستحق أن نكون جديرين به
في اليوم الوطني السادس والتسعين، نحتفل بوطنٍ وحّد الأرض، وبنى الدولة، وصنع الأمن، وفتح أبواب المستقبل. السعودية اليوم ليست دولة تبحث عن مكان، بل دولة تصنع مكانها، وتفرض حضورها، وتبني غدها بثقة ووعي وقوة.
وأجمل ما نقدمه للمملكة في يومها هو أن نكون جديرين بها, ف نحترم نظامها، ونحافظ على مكتسباتها، ونُتقن أعمالنا، ونقول الحقيقة بمسؤولية، ونكون جزءاً من تقدمها لا عبئاً عليها.
دام عزك يا وطن… وعزّنا بطبعنا.
{رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات}

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى