بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الدولي السابع لأبحاث الإعاقة والتأهيل، وما يمثله من أهمية في دعم الأبحاث العلمية والطبية، وتطوير فرص التأهيل وتحسين جودة الحياة، تبرز قضية أخرى تستحق اهتمام الإعلاميين وصنّاع المحتوى والفنانين والكتّاب: دعونل نطرح سؤالين:كيف صوّر الفن الأشخاص ذوي الإعاقة؟ وما أثر تلك الصورة في وعي المجتمع ونظرته إليهم؟
فالفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الصور الذهنية، وقد يسهم في تعزيز التقبل والاحترام، أو في ترسيخ أحكام مسبقة يصعب تجاوزها.
حيث يصنع الفن صورة لا تشبه الواقع
دعونانعلق الجرس ونعلنهاصراحة ونعترف انه، لا تزال بعض الأعمال الفنية العربية والعالمية تقدم الأشخاص ذوي الإعاقة في صور نمطية تربط الإعاقة بالشر أو الخوف أو الجريمة، أو تجعلها مدخلًا للسخرية والشفقة، وكأنها التي تحدد شخصية الإنسان وأخلاقه ومصيره.
ولا تقتصر المشكلة على الأعمال الدرامية الموجهة للكبار، بل تمتد أحيانًا إلى الرسوم المتحركة التي يشاهدها الأطفال. ولعل شخصية «سيلفر» في «جزيرة الكنز»، القرصان مبتور الساق، من الأمثلة التي تستحضر هذا النمط من الشخصيات.
ولا تكمن المشكلة في أن تكون هناك شخصية شريرة لديها إعاقة، فالإعاقة لا تجعل الإنسان شريرًا ولا تجعله ملاكًا، وإنما في تكرار الصور التي تربط الإعاقة بالشر أو الغرابة، حتى تتحول إلى تصور ذهني لدى المشاهد، ولا سيما الطفل الذي تتشكل نظرته إلى العالم من خلال ما يشاهده.
وفي بعض الأعمال العربية، تظهر الشخصيات ذات الإعاقة في صور نمطية أخرى؛ كالمتسول الذي يستدر العطف، أو الشخص الذي يُختزل في قدراته الذهنية، أو الشخصية التي تُنسب إليها قدرات خارقة ومعرفة بالمستقبل.
وهنا تكمن خطورة الصورة النمطية؛ إذ لا يعود الإنسان حاضرًا بشخصيته ومواهبه وأحلامه، بل يصبح أسير إعاقته في نظر الآخرين.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن أعمالًا فنية عديدة قدمت نماذج مضيئة، وأثبتت أن تناول الإعاقة بوعي قادر على صناعة أعمال تجمع بين القيمة الفنية والرسالة الإنسانية.
نماذج فنية أنصفت الإنسان
يستحضرني مسلسل «رمال بين الأصابع»، للفنان إحسان صادق، الذي تناول معاناة الابن الكفيف وتفضيل الأب ابنه المبصر عليه، مسلطًا الضوء على الألم النفسي الذي قد يصنعه التمييز داخل الأسرة.
كما أتذكر السهرة التلفزيونية المحلية «ردة فعل»، للفنان عبدالمحسن النمر، التي جسّد فيها شخصية رسام كفيف، إلى جانب فيلم «عطر امرأة» (Scent of a Woman)، الذي قدم فيه آل باتشينو أداءً لافتًا في شخصية رجل كفيف، تجاوز فيها مجرد تجسيد الإعاقة إلى إبراز شخصية إنسانية مركبة، لها مشاعرها وتناقضاتها وكبرياؤها.
ومن الأعمال العالمية البارزة أيضًا فيلم «رجل المطر» (Rain Man)، الذي أدى فيه داستن هوفمان دور ريموند، الرجل ذي اضطراب طيف التوحد، الذي يتمتع بقدرات استثنائية في بعض المجالات، ومنها الحساب والذاكرة. وقد نال هوفمان جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن هذا الدور.
تؤكد هذه الأعمال أن الإعاقة لا تلغي الموهبة، ولا تنتقص من الكرامة الإنسانية، ولا تمنع الإنسان من أن يكون محورًا لعمل فني مؤثر.
فالشخص الكفيف ليس مجرد إنسان فقد بصره، والشخص ذو اضطراب طيف التوحد ليس مجرد تشخيص، والشخص ذو الإعاقة الحركية ليس جسدًا تحده الحركة. إنهم بشر، لكل منهم شخصيته وقدراته وأحلامه وتطلعاته.
والفارق كبير بين عمل فني يوظف الإعاقة لخدمة قصة إنسانية صادقة، وعمل يجعلها وسيلة لإثارة الخوف أو السخرية أو استدرار العاطفة. فالأول يفتح أبواب الفهم والتقبل، أما الثاني فقد يكرّس حواجز نفسية واجتماعية.
فحين تنتقل الصورة من الشاشة إلى الشارع
إن أخطر ما في الصورة النمطية أنها لا تبقى حبيسة الشاشة، بل قد تنتقل إلى المدرسة ومكان العمل والشارع، فتؤثر في نظرة الناس إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي مستوى تقبلهم لهم والفرص التي يمنحونهم إياها.
فحين تتكرر صور العجز أو الشر أو الشفقة، قد ينظر بعض أفراد المجتمع إلى الشخص ذي الإعاقة من خلال أحكام مسبقة، بدلًا من التعرف إلى قدراته وإمكاناته.
ومن هنا، لا تقتصر مسؤولية الإعلام والفن على تجنب الإساءة، بل تمتد إلى تقديم صورة متوازنة تحترم الإنسان، فلا تصوره عاجزًا عن مواجهة الحياة، ولا تبالغ في تقديمه بطلًا خارقًا. فالمطلوب أن يظهر كما هو: إنسانًا له نقاط قوة وتحديات، وحقوق وطموحات، مثل سائر أفراد المجتمع.
وفي سياق آخر، تبرز قضية استغلال بعض الأشخاص للإعاقة أو استخدام أشخاص ذوي إعاقة لاستدرار تعاطف المارة والحصول على المال. وهي ممارسات تستدعي التحقق والمساءلة وحماية الأشخاص من الاستغلال، دون أن تتحول إلى مبرر للتشكيك في الأشخاص ذوي الإعاقة أو الانتقاص من حقوقهم.
فالتصرفات الفردية لا تمثل فئة بأكملها، ولا يجوز أن تختلط مكافحة الاستغلال بتكريس صورة نمطية تربط الإعاقة بالتسول أو الحاجة الدائمة إلى الشفقة.
مسؤولية مشتركة لتصحيح الصورة
إن تصحيح الصورة النمطية مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والكتّاب والمخرجين والجهات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ونحن بحاجة إلى تقديمهم في الأعمال الفنية بصورة أكثر واقعية وتنوعًا، وإشراكهم في كتابة الأعمال التي تتناول تجاربهم ومراجعتها؛ فهم الأقدر على نقل تفاصيل حياتهم، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وإثراء المحتوى بتجارب حقيقية.
كما ينبغي أن تتكامل هذه الجهود مع دور المؤسسات التعليمية والتربوية في تعليم الأطفال أن الاختلاف لا يبرر التنمر أو الإقصاء، وأن احترام الإنسان لا يرتبط بسلامة جسده أو حواسه، بل بكرامته وحقوقه وإنسانيته.
فالمطلوب ليس منع تناول الإعاقة في الأعمال الفنية، وإنما تناولها بوعي يحترم الإنسان، ويعكس تنوع التجارب، ويمنح أصحابها حقهم في الظهور بصورتهم الحقيقية.
صورة عادلة تبدأ من الوعي
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم على صنّاع الدراما والسينما والإعلام هو: لماذا نمنح الشخصيات الخيالية كل فرص التنوع والإبداع، ثم نحرم الأشخاص ذوي الإعاقة من الظهور الطبيعي الذي يستحقونه؟
إنهم لا يطلبون شفقة، ولا ينتظرون من الفن أن يصنع منهم أبطالًا خارقين؛ كل ما يستحقونه أن نراهم كما هم: بشرًا لهم حقوقهم وقدراتهم وأحلامهم، وأن نمنحهم حقهم في صورة عادلة، لا تنتقص منهم ولا تحكم عليهم مسبقًا.
فالمجتمع الذي يسعى إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، عليه أن يبدأ بتمكين صورتهم الحقيقية في وعينا؛ لأن بعض الحواجز لا تصنعها الإعاقة، بل تصنعها نظرة المجتمع.


