كنت في عيادة جراحة اليد عندما لفت انتباهي الدكتور عبدالعزيز عسيري وهو يفحص راحة يد زميلي.
كان يضغط بأصابعه على مواضع محددة في الكف، ويتحسس كتلًا صغيرة تحت الجلد، ثم رفع رأسه وسأل المريض ممازحًا:
هل لك أصول أوروبية؟
ابتسم المريض وقال: لا.
لم أفهم علاقة أوروبا بتلك الكرات الصغيرة التي شعرت أنها ربما تكون أكياسًا دهنية، حتى عرفت من الطبيب أن أمامي مرضًا اسمه دوبويتران Dupuytren.
اسم فرنسي لمرض غريب، يبدأ أحيانًا بعقد صغيرة في راحة اليد، ثم تتكون أنسجة ليفية قد تشد الأصابع تدريجيًا إلى الداخل، خصوصًا البنصر والخنصر. وله حضور أكبر بين أصحاب الأصول الأوروبية، خاصة في شمال أوروبا،
رجعت إلى تاريخ المرض، فوجدت نفسي أمام قصة بدأت قبل أكثر من أربعة قرون، وتعاقب عليها أطباء من سويسرا وإنجلترا وفرنسا، وانتهت باسم رجل لم يكن أول من عرفها.
في عام 1614، سجل الطبيب السويسري فيليكس بلاتر واحدًا من أقدم الأوصاف الطبية المعروفة لهذه الحالة. وبعد أكثر من قرن ونصف، دخل الجراح الإنجليزي هنري كلاين على الخط، ثم جاء تلميذه الجراح الشهير أستلي كوبر، واقترب الاثنان كثيرًا من فهم حقيقة المشكلة في راحة اليد.
كان يمكن أن يحمل المرض اسم أحد هؤلاء.
لكنه لم يفعل.
الاسم الذي بقي حتى يومنا هذا كان لجرّاح فرنسي اسمه غيوم دوبويتران.
كان دوبويتران أحد أشهر جراحي باريس، وعمل في مستشفى Hôtel-Dieu. وفي الخامس من ديسمبر عام 1831 قدم أمام طلابه وزملائه حالة انكماش دائم في أصابع اليد.
كان السؤال الطبي وقتها مهمًا: ما الذي يشد الأصابع إلى الداخل؟
الأوتار؟
دوبويتران اتجه إلى اللفافة الموجودة تحت جلد راحة اليد. وقد ساعده على ذلك فحص الحالات وتشريح يد شخص متوفى عاش سنوات بهذا الانكماش. ثم انتقل من التشخيص إلى العلاج، واستخدم قطع النسيج المتقلص لتحرير الإصبع.
تخيل أن ذلك كان يحدث قبل دخول التخدير الجراحي الحديث إلى غرف العمليات.
انتشرت محاضرات دوبويتران وأعماله، والتصق اسمه بالمرض حتى أصبح الأطباء بعد قرابة قرنين يقولون ببساطة:
Dupuytren’s disease.
وإذا اشتد التليف وانكمشت الأصابع:
Dupuytren’s contracture.
أما سؤال الأصول الأوروبية الذي بدأت منه الحكاية، فله ما يبرره طبيًا.
المرض أكثر شيوعًا لدى أصحاب الأصول الأوروبية، وله ارتباط وراثي واضح. والأكثر إثارة أن دراسات جينية حديثة وجدت أن بعض عوامل الاستعداد الوراثي للمرض مرتبطة بمتغيرات جينية موروثة من إنسان النياندرتال.
عدت بذاكرتي بعد كل هذا إلى عيادة الدكتور عبدالعزيز عسيري.
كانت ساعات الدوام تقترب من نهايتها، وهي الساعات التي يصل فيها الطبيب عادة إلى قدر كبير من الإرهاق بعد يوم طويل بين المرضى والفحوصات والأسئلة. لكنني كنت أمام طبيب ما زال يمنح مريضه وقته، يفحص يده بهدوء، ويشرح له، ويمازحه، ويترك للحوار مساحة لا تقل أهمية عن الفحص نفسه.
لفتتني دماثة أخلاقه بقدر ما لفتتني ثقافته الواسعة في تخصصه. لم يكن حديثه مع المريض مجرد سؤال عابر عن أصوله الأوروبية، فقد كان وراء السؤال تاريخ طبي طويل، ومعرفة جعلتني أعود للبحث عن قصة مرض بدأ توثيقه قبل أكثر من أربعة قرون.
وربما هنا تكمن قيمة الطبيب الذي يعرف تخصصه جيدًا ويعرف الإنسان الذي أمامه أيضًا.
خرج زميلي المريض من العيادة، وبقي السؤال في ذهني:
هل لك أصول أوروبية؟
سؤال قاله الدكتور عبدالعزيز عسيري بابتسامة في نهاية يوم عمل طويل، وقادني إلى رحلة بدأت من راحة يد مريض، وعبرت سويسرا وإنجلترا وباريس، وعادت بي إلى عيادة جراحة اليد من جديد.

