المقالات

في يوم المعلم.. مسيرة علم ورسالة تمتد لأكثر من أربعة عقود

يأتي اليوم العالمي للمعلم، الذي يوافق الخامس من أكتوبر من كل عام، مناسبةً للاحتفاء بمن حملوا رسالة العلم، وأسهموا في بناء الإنسان وصناعة الأجيال، فالمعلم ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل هو صاحب رسالة سامية، ومربٍّ، وقدوة، وشريك أساسي في بناء الوطن وتقدمه.

وفي هذه المناسبة العزيزة، أستعيد بكل اعتزاز وامتنان تجربتي في التعليم الجامعي، التي بدأت في قسم الإعلام بجامعة الملك سعود منذ أن كنت معيدًا، ثم تواصلت بعد حصولي على درجة الدكتوراه في الصحافة عام 1994م، واستمرت حتى يومنا هذا، ولله الحمد. إنها رحلة طويلة لم تكن بالنسبة إليّ مجرد وظيفة أكاديمية، بل رسالة علمية ومهنية وإنسانية آمنت بها، ووجدت فيها متعة العطاء وأمانة المسؤولية. وخلال هذه المسيرة، تشرفت بتدريس عدد من المقررات في مجالات الصحافة والإعلام والعلاقات العامة، كما أشرفت على مقررات التدريب الميداني التي تمثل حلقة مهمة في ربط المعرفة النظرية بالممارسة المهنية. وكنت أحرص دائمًا على ألا تقتصر المحاضرة على ما تتضمنه الكتب والمراجع، بل أن تمتد إلى التجارب الواقعية والتطبيقات العملية والتحولات المتسارعة التي شهدتها صناعة الإعلام. وقد عاصرت خلال سنوات عملي تحولات كبيرة في التعليم والإعلام؛ انتقلنا فيها من الصحافة الورقية التقليدية إلى الإعلام الرقمي، ومن وسائل الاتصال المحدودة إلى فضاء إعلامي واسع تتدفق فيه المعلومات على مدار الساعة، وصولًا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت تعيد تشكيل الممارسات الإعلامية والتعليمية. وكان لزامًا على الأستاذ الجامعي أن يواكب هذه التحولات، وأن يطوّر أدواته وأساليبه، وأن يهيئ طلابه لمستقبل مهني تتغير متطلباته باستمرار.
ومن أعظم ما أحمد الله عليه أن آلاف الطلاب تخرجوا على يدي خلال هذه المسيرة، وأصبح كثير منهم يتبوؤون مناصب قيادية ومواقع مؤثرة في القطاعات الحكومية والأهلية، وفي المؤسسات الإعلامية والأمنية والعسكرية والمدنية. وأشعر بسعادة بالغة عندما ألتقي بأحد طلابي بعد سنوات، فأجده مسؤولًا أو قياديًا أو إعلاميًا ناجحًا يسهم في خدمة دينه وقيادته ووطنه؛ فنجاح الطالب هو من أجمل الثمار التي يحصدها المعلم، وهو الشهادة الحقيقية على قيمة ما قدمه طوال سنوات عطائه. ولعل من أجمل ما في مهنة التعليم أن أثر المعلم لا يتوقف عند حدود القاعة الدراسية، بل يمتد عبر طلابه إلى مؤسسات المجتمع وميادين العمل المختلفة. وقد ينسى الطالب بعض المعلومات التي تلقاها، لكنه لا ينسى معلمًا شجعه، أو أستاذًا اكتشف موهبته، أو كلمةً صادقة عززت ثقته بنفسه وفتحت أمامه طريق النجاح. لقد تعلمت من طلابي بقدر ما سعيت إلى تعليمهم، وكانت أسئلتهم وطموحاتهم وتحدياتهم دافعًا متواصلًا لي إلى القراءة والبحث والتجدد. فالعلاقة التعليمية الناجحة ليست طريقًا يسير في اتجاه واحد، وإنما هي تفاعل إنساني وعلمي ينمو فيه الأستاذ والطالب معًا.
وفي اليوم العالمي للمعلم، أتقدم بالشكر والتقدير إلى كل معلم ومعلمة، وكل أستاذ وأستاذة، بذلوا علمهم ووقتهم وجهدهم من أجل أبنائهم وبناتهم الطلاب. كما أعبّر عن امتناني لجامعة الملك سعود، هذه المؤسسة الوطنية العريقة التي احتضنت مسيرتي العلمية والعملية، وأتاحت لي شرف المشاركة في إعداد أجيال من الكفاءات الوطنية. وبعد هذه الرحلة الممتدة لأكثر من أربعة عقود، ما زلت أرى التعليم الجامعي رسالةً تتجدد، وعطاءً لا ينقطع، ومسؤوليةً تستحق الإخلاص. وإن أجمل تكريم للمعلم ليس في كلمات الثناء وحدها، بل في أن يرى علمه يتحول إلى إنجاز، وطلابه إلى قادة، وغرسه إلى ثمار تخدم الوطن والإنسان. كل عام ومعلمو الوطن ومعلماته بخير، وكل عام وهم شركاء في صناعة مستقبل المملكة، وبناء الإنسان السعودي الطموح، والإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله ورعاهما.

• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى