عدت من صلاة الجمعة وروحي لا تزال تتلذذ بنفحاتها وكان عقلي شارداً في فضاءات التأمل فإذا بفكرة (الحياء) تجذبني يمنة ويسرة تستوقفني وتلح على قلمي بحقها في الكتابة. تأملتها فوجدتها ليست مجرد خلق يذكر في كتب الأدب بل هي قيمة عظيمة وسمة غالية بل هي تعد كالمناعة الذاتية للمجتمعات إن جاز لنا التعبير. فالحياء مثل البوصلة الدقيقة التي لا تضل بها السفن في بحار الفتن وكإبرة الميزان الحديدية لا ترتجف أمام الأهواء تضبط السلوكيات السلبية وتمنع الممارسات السيئة من أن تطغى. أتصور أن الحياء مثل رجل المرو الداخلي الذي يقف بصرامة في تقاطعات الرغبات بل وكحارس الأمن الساهر على أسوار الكرامة الإنسانية يحول دون أن تسرق كرامة المرء. فالحياء في جوهره ليس ضعفاً ولا انكساراً بل هو أرقى مراتب القوة الإنسانية إنه الصوت الهادئ الذي يقول للإنسان توقف فإن هذا السلوك لا يليق بربك ولا بك ولا بأسرتك ومجتمعك. وما أجمل العودة إلى مصادر النقاء حين ترتبك الأمور وتشتد الحاجة حيث نكتشف أن الحياء ليس ترفاً أخلاقياً بل علاجاً فعالاً لكل الممارسات السلبية التي قد تظهر في عصرنا الحاضر. إنه أنفع دواء وأقوى موجه لسلوك الناس لأنه ببساطة خلق الكرام وسمة أهل المروءة وعنوان العقلاء والحكماء والإيجابيين. ولا أجمل من وصف الشاعر بدقة حيث يقول:
يعيش المرء ما اِستحيا بخير ويبقى العود ما بقِي اللحاء
فلا والله ما في العيشِ خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إِذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فافعل ما تشاء
ولا شك أن هذه الأبيات ليست مجرد كلمات فقط بل هي كالإنذارالأخلاقي فبمجرد أن يسقط الحياء تسقط معه كل ضوابط السلوك. وقد أشارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى مكانة الحياء عندما سئلت عن مكارم الأخلاق فقالت: (رأس مكارم الأخلاق الحياء)، فهو تاج تتزين به كل الفضائل وبدونه تتساقط باقي الأخلاق كمسبحة انفرط عقد خرزها. بل إن رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه كان قدوتنا الأولى في الحياء وكان هو الطابع الغالب على شخصيته فقد (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها). الله ما أعظم هذا الوصف الإنساني العميق. فهو بجلال مكانته وأثره في التاريخ أكثر الناس جرأة في إحقاق الحق كان في الوقت نفسه أرقهم إحساساً وأبعدهم عن أي مواقف تخل بالمروءة أو تجرح مشاعر الآخرين. ولكن ماذا يمكن أن نقول في وقتنا المعاصر؟ والجميع يواجه طوفاناً رقمياً وفضاءً مفتوحاً بلا جدران ولا حراس. فقد تسلل الابتذال عبر الشاشات إلى منازلنا وظهرت ثلة من مشاهير الفلس والتفاهة الذين لم يكتفوا بفقدان الحياء بل غسلت وجوههم منه وضربوا به عرض الحائط متخذين من الصدمة والابتذال سلماً للصعود والشهرة. هنا تقع الكارثة الإنسانية والتربوية فالمشاهد والطفل البريء والشاب الذي يبحث عن قدوته يصبحون في حيرة من أمرهم لا يعرفون طريقهم من كثرة ما يسمعون ويشاهدون من أمور تافهة تصنع لها الحملات والدعايات ومشاهد مقززة تتزين بها (الترندات). فمن خلال هذا الفضاء الافتراضي قد يحصل لدى البعض من الأجيال الحالية قناعة بأن الحياء تخلف وأن الوقاحة حرية. وهنا يتأكد للعقلاء بأن الحياء ليس مجرد خلق بل مناعة ذاتية رقمية وجدار حماية للروح يزود أصحابه بما يعرف بالتربية الوقائية التي تمكنهم من التمييز الحق بين الجميل والقبيح. فالبعض ينظر إلى الحياء في العصر الرقمي على أنه (تمرد حقيقي) فعندما يحافظ المرء على حيائه ويستر عيوبه ويبتعد عن الابتذال فإن ذلك هو أرقى درجات الحرية والكرامة. والحياء لا يأتي إلا بخير فهو ليس ضعفاً ولا تهرباً بل هو من أروع الخصال فقد أشار الإمام الحسن البصري إلى ذلك بقوله: (الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما). والحياء رفعة في الدنيا والآخرة. ومن الأمور المهمة للوالدين الحرص على عدم عزل الأبناء عن التقنية تماماً فذلك قد يكون مستحيلاً ويكمن الحل في (برمجة الوعي) وليس في التخلص الشاشات وتكسيرها. إن غرس مفاهيم وقيم الرقابة الذاتية الضميرية مع الله في نفوس الأبناء سيعزز لديهم قيم الحياء من أن يراهم رب العالمين.
لعلي أختم مقالي ببعض المقترحات التي قد تسهم في تعزيز (المناعة المجتمعية) وتعزيز قيم الحياء ولا سيما أن الأسرة قد لا تتمكن من مواجهة هذا الطوفان الفضائي. ولذلك فلا بد من تحرك مؤسسي ومجتمعي يشارك فيه الشباب كشركاء في الحل لا مجرد متلقين. ومن هنا أطرح بين يدي المربين وصناع القرار مجموعة من المبادرات لترجمة الحياء إلى واقع ملموس من خلال تمكين الشباب في صناعة الوعي بتنظيم محاضرات وحلقات نقاش وورش عمل يشاركون في إعدادها وتنظيمها ومتابعتها مما يسهم في تعميق الرسالة في عقولهم وقلوبها. محاولة استضافة العلماء والأكاديميين والضباط العسكريين والمثقفين والمفكرين في المدارس والجامعات والأندية الرياضية. ليس فقط لإلقاء المحاضرات فحسب بل لسرد تجاربهم الحياتية وكيف كان الحياء سبباً في توفيقهم ونجاحهم فالقدوة الحية تحدث ما لا تحدثه الكلمات. ولعله يكون من المناسب أيضاَ تنظيم معارض فنية وإعداد أفلام قصيرة ومسرحيات هادفة تناقش صراع الكرامة مع الأمور التافهة وتجسد قيمة الحياء بلغة بصرية ودرامية تخاطب المشاعر قبل العقل. كما يمكن كذلك دعوة الطلاب والشباب لكتابة المقالات والقصص القصيرة وإنتاج (بودكاست) حول الحياء وتحويلها إلى مسابقات ثقافية تُكافئ الفكر الراقي بدلاً من الترندات الساقطة. بالإضافة إلى أهمية فتح منصات للشباب لطرح رؤاهم ومقترحاتهم كيف ينظرون لقيم الحياء؟ وما المقترحات الفعالة ليصبح الحياء سداً منيعاً ضد مشاهير الفلس والتفاهة؟ من أجل تشجيعهم ليأخذوا زمام المبادرة في رسم استراتيجيات حماية حصونهم الرقمية. وسيظل الحياء حارساً للأمن الداخلي القيمي. فإذا كان فقدان الأموال خسارة فإن فقدان الحياء يعد خسارة كبيرة لكرامة الأفراد والمجتمعات.
0

