المقالات

تغريدة العامري وصناعة الأثر

حفلت منصة إكس بالكثير من التفاعل حول تغريدة الأستاذ الدكتور أحمد بن سالم العامري حول تحسين دور الجامعة في بناء العقول وتطوير برامج الدراسات العليا وضرورة إعادة هندسة المناهج والانتقال من البرامج النمطية إلى برامج نوعية مرتبطة بالتنمية الوطنية والاحتياجات المجتمعية، وهذا يسهم في تطوير الفكر وتنمية المجتمع للوصول إلى حقيق توازن بين البعد المعرفي والقيمي والبعد العملي المرتبط بسوق العمل. ولا شك أن الأستاذ الدكتور أحمد بن سالم العامري أحد رجالات التعليم العالي حيث تولى منصب رئاسة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من 2019 حتى 2026 وحققت الجامعة في عهدة قفزات مهمة في مجالات التعليم والجودة وريادة الأعمال.

لكن تلك التغريدة جوبهت بالكثير من الانتقادات حيث تساءل الكثيرون عن الأسباب التي منعت معاليه من تطبيق الأفكار التي يدعو إليها عندما كان في منصب الرئاسة بدلاً من الدعوة إلى إصلاحات معينة بعد أن غادر المنصب، ولماذا بقيت بعض الأفكار في دائرة التنظير حين كانت فرصة تحويلها إلى ممارسة متاحة من خلال قرارات ومبادرات ملموسة. ورأى أولئك المعارضون أن قيمة الخطاب تزداد حين ينسجم القول مع الفعل فالمسؤول الذي ينتقد واقعاً أو ينظّر لإصلاحٍ ما ثم يدعو بعد مغادرته المنصب إلى مبادئ كان يملك أثناء مسؤوليته مساحةً لتطبيقها، يضع خطابه الإصلاحي موضع الشك والارتياب وعدم الجدية.

لكن معطيات الواقع تثبت أن عدم تحقيق الإصلاحات خلال فترة مسؤول ما لا يعني تلقائياً أنه كان قادراً على تنفيذها واختار عدم القيام بذلك. فهناك فرق جوهري بين المسؤولية الرسمية التي تجعل المسؤول محاسباً عن نتائج المؤسسة والقدرة الفعلية على التغيير التي تتحدد بالصلاحيات والموارد والوقت والبيئة المؤسسية. وقد يواجه المسؤول لوائح مقيدة أو نقصاً في الموارد أو مقاومة داخل المؤسسة أو أولويات مفروضة من جهات أعلى مما يحد من قدرته على تنفيذ رؤيته. كما أن الإصلاحات قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر نتائجها وقد يغادر المسؤول منصبه قبل اكتمالها. وبذلك فإن الحكم العادل على أداء المسؤول السابق ينبغي ألا يعتمد على النتائج النهائية وحدها بل يتطلب فحص ما كان يملكه من صلاحيات وما واجهه من قيود.

وفي هذ الخضم من الأفكار المتباينة يحسن بنا الانتقال من نقاش ضيق يركز على مسؤول أو إدارة أو قرار معين إلى نقاش أوسع يتناول واقع التعليم العالي بشكل أرحب وينظر في المشاكل الحالية التي تواجه الجامعات والطلاب وأعضاء هيئة التدريس ضمن منظومة متكاملة تتداخل فيها عوامل إدارية وأكاديمية واقتصادية واجتماعية، حيث تواجه منظومة التعليم العالي تحولات متسارعة وتحديات متشابكة لا تتعلق بالإدارة وحدها بل تمتد إلى جودة البرامج الأكاديمية وكفاءة الأنظمة واللوائح والموارد المتاحة وجودة المخرجات واحتياجات سوق العمل.

وإذا كان من الصعب الإحاطة بكل تلك الأبعاد فلعل من أهمها تحسين بيئة عمل أعضاء هيئة التدريس، حيث يطالبون منذ عقود بتحسين الكادر الأكاديمي والحصول على تأمين طبي وبدل سكن ورفع مستوى الرواتب بما يتناسب مع المؤهلات العلمية والخبرات وحجم المسؤوليات التدريسية والبحثية والإدارية التي يتحملها عضو هيئة التدريس، ولا تقتصر أهمية هذه المطالب على تحسين الظروف الشخصية لأعضاء هيئة التدريس بل تمتد إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي والرضا المهني بما يمكن أن ينعكس على جودة التدريس والإنتاج البحثي ومستوى الأداء الأكاديمي بصورة عامة. والحقيقة الواضحة جداً أن هذه المطالب واقعية جداً في ظل ما تشهده المملكة العربية السعودية من اهتمام متنامٍ بتطوير التعليم والارتقاء بجودته وما تحظى به مستهدفات التعليم ضمن رؤية المملكة 2030 من دعم واهتمام كبيرين. ومن ثم، فإن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس يمكن النظر إليه بوصفه جزءًا من الاستثمار في رأس المال البشري وعنصراً مهماً في الجهود الرامية إلى بناء منظومة تعليمية جامعية أكثر جودة وكفاءة واستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى