
يٌعدّ التدريب الرياضي هو الركيزة الأساسية لبناء جسم الإنسان وتعزيز صحته البدنية والعقلية ورفع مستوى لياقته للقيام بالأنشطة اليومية بكفاءة وتتعدد فوائده وتتكامل لتشمل جميع أجهزة الجسم
صحيفة “مكة” الإلكترونية بدورها تسلط الضوء على مثل هذه الرياضات المهمة وكان لها هذا اللقاء مع المدربة “رودينا إسكيف” المتخصصة في التأهيل الحركي والبيومكانيس للحديث عن أبرز تجاربها التدريبية ورؤيتها عن التدريب الرياضي واهميته والتوعية باتباع الطرق الصحيحة لمزاولته .
– من هي المدربة رودينا ؟
رُودينا إسكيف سورية مقيمة في بلدي الثاني المملكة العربية السعودية منذ 20 سنه مدربة رياضية ومتخصصة في التأهيل الحركي والبيوميكانيكس مدربة أكاديمية وشغوفة بنشر الثقافة الرياضية المبنية على الأسس العلمية والعملية.
– كيف بدأتِ رحلتكِ في مجال التدريب الرياضي وما أبرز محطات مسيرتكِ؟
بدأت رحلتي من تجربة شخصية واقعية حيث أمضيت ( 5 ) سنوات كاملة أتدرّب مع مدرب شخصي لكن النتائج لم تكن مرضية بالنسبة لي ولا تتناسب مع المجهود والمُدة حينها أدركتُ أنه لو كانت لدي المعرفة الصحيحة بأصول التدريب المبني على أُسس علمية لتمكنتُ من مساعدة نفسي وتحقيق أهدافي.
وبالفعل أخذت القرار وبدأتُ مساري الأكاديمي وبمجرد إنهائي لدورتي التدريبية الأولى وتطبيق ما تعلمته عملياً، وصلتُ لأفضل نتائج في صحتي قوّتي وشكل جسمي.
من هنا تحول الشغف الشخصي إلى مسار مهني وكانت أبرز محطاتي الانتقال من تطوير ذاتي إلى تدريب المشتركين ثم التخصص الأكاديمي في تأهيل الكوادر التدريبية، والتركيز على التقييم الحركي وتأهيل الإصابات وصحة المراءة وخاصة المراءة في فترة الحمل وتاهيل بعد الولادة ومن ثم البيلاتس والان يتم التحضير لدورة قادمة وهي البيلاتس الخاص بالأعصاب لمساعدة مرضى الأعصاب بشكل خاص.
– منذ متى وأنتِ تزاولين التدريب الرياضي؟
تقريبا بحدود 16 سنة تنوعت خلالها خبراتي بين التدريب المباشر والإدارة الفنية في الاكاديميات الرياضية وتدريس المناهج والأصول التدريبية للمدربين والمدربات.
– ما أبرز التطورات التي شهدها هذا المجال من خلال مسيرتك التدريبية؟
شهد القطاع تحولاً جذرياً حيث انتقلنا من العشوائية والاعتماد على الاجتهادات الشخصية إلى عصر “التدريب المبني على الدلائل العلمية” (Evidence-based practice).
أصبح هناك وعي كبير بفهم بيوميكانيكا الحركة واستخدام التقييم الحركي وتحليل الأداء إلى جانب ارتفاع الإقبال على التخصصات الدقيقة مثل التأهيل الوقائي والبيلاتس.
– لماذا اتجهت إلى التخصص في تأهيل المدربين والتدريب الأكاديمي والرياضي؟
إتجاهي لم يكن محض مصادفة بل جاء تقديرًا للمجهود والشغف؛ فخلال دراستي في الأكاديمية لاحظ القائمون عليها حبّي للشغف والمعرفة وعشقي الشديد للمجال ورغبتي المستمرة في التعلم والتطوير إلى جانب امتلاكي شخصية قيادية وقدرة على التحدث والإلقاء.
هذا التميز دفعهم إلى أن يعرضوا عليّ الانضمام لفرِيقهم كـ “مُعدّة ومدربة لتأهيل الكوادر الخريجة” من الناحية العملية الميدانية
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم إرسالي إلى دولة أوروبية ليتم تدريبي وتطوير مهاراتي على يد أحد أشهر المدربين على مستوى العالم في هذا المجال والذي كان يشغل حينها منصب المدير التنفيذي للمنظمة الأمريكية العريقة (IFPA) التي تخرجتُ منها.
هذه التجربة الثرية هي التي صقلت خبرتي ورسخت شغفي في نقل المعرفة وبناء جيل جديد من المدربين المؤهلين على أعلى المستويات العالمية.

الاعتمادات والخبرة الدولية
– كيف أسهمت الاعتمادات الدولية التي حصلتِ عليها في تطوير تجربتكِ التدريبية؟
الاعتمادات الدولية توفر للمدرب إطاراً منهجياً صارماً وقائماً على البحث العلمي. ساعدتني في فهم أدق التفاصيل الفيزيولوجية والحركية وتطوير أدوات التقييم الحركي والربط بين النظرية والتطبيق الميداني للتعامل مع مختلف الحالات والأجسام بأمان وفاعلية.
– ما أهمية تأهيل المدربين وفق أسس علمية ومهنية؟
الجسد البشري أمان والتعامل معه يتطلب معرفة دقيقة وليس مجرد تخمين التأهيل العلمي يمنع الإصابات الناتجة عن التكرارات الخاطئة أو الأحمال غير المناسبة ويضمن للمتدرب الوصول لهدفه بأقصر الطرق وأكثرها أماناً.
– ما الفرق بين المدرب الذي يمتلك الخبرة العملية والمدرب المؤهل علمياً ومهنياً؟
الخبرة العملية تمنح مهارة التواصل والتكيف الميداني بينما العلم يمنح القدرة على “التفسير واتخاذ القرار المبرر”.
المدرب الناجح هو من يجمع الاثنين: العلم يوجهه لكيفية تصميم البرامج بناءً على التقييم والبيوميكانيكس والخبرة تمنحه السلاسة في التطبيق.
التأهيل الرياضي والإصابات
– ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها الرياضيون عند العودة بعد الإصابة؟
التسرع في العودة إلى الشدة والأحمال العالية قبل استعادة كفاءة المنطقة المصابة وتجاهل مرحلة إعادة التأهيل الحركي والتقييم الوظيفي، والتركيز فقط على موضع الألم بدلاً من معالجة الخلل الحركي الأساسي الذي تسبب بالإصابة.
– كيف يمكن ضمان عودة آمنة للرياضي إلى مزاولة النشاط بعد الإصابة؟
عبر التدرج الممنهج: تبدأ بالتقييم الحركي والتأكد من استعادة المدى الحركي الكامل والقوة المتوازنة ثم تمارين الثبات والتوافق العصبي العضلي وصولاً إلى التدرج في الأحمال وتجهيز الرياضي لمتطلبات رياضته.
– إلى أي مدى للتدريب الوقائي يقلل من مخاطر الإصابات الرياضية؟
يقلل التدريب الوقائي من مخاطر الإصابات بنسب عالية جداً؛ فتعزيز القوة العضلية المتوازنة ومرونة المفاصل وتفعيل عضلات الاستقرار (Core) يصنع خط دفاع أول للجسد أثناء الحركة القوية أو الإجهاد.
– ما الفئات العمرية أكثر إقبالاً على مزاولة التدريب واللياقة؟
نشهد إقبالاً كبيراً من مختلف الفئات وخاصة الشباب (من 20 إلى 40 عاماً) نظراً لارتفاع الوعي الصّحي ولكن اللفتة الإيجابية جداً هي الزيادة الملحوظة في إقبال فئة ما فوق الأربعين وكبار السن إدراكاً منهم لأهمية الحفاظ على القوة العضلية وصحة العظام.

صحة المرأة
– ما هي خصوصية تدريب المرأة مقارنة بالبرامج الرياضية العامة؟
للمرأة طبيعة هرمونية وتشريحية خاصة (منطقة الحوض).
البرامج الموجهة للمرأة يجب أن تراعي التغيرات الهرمونية وطبيعة الحوض وعضلات قاع الحوض وتعديل الأحمال التدريبية لتتناسب مع كل مرحلة بما يدعم صحتها وطاقتها.
– ماذا عن تدريب المرأة خلال الحمل وما بعد الولادة ؟
الأهم والأول هو الحصول على موافقة طبية صريحة من الطبيب المتابع للحالة للتأكد من خلو الحمل من أي موانع صحية.
الفرق بين الممارسة السابقة والمبتدئة:
إذا كانت الحامل رياضية ومعتادة على التمرين قبل الحمل فنحن لا نوقف برنامجها بل نقوم بتعديل الأحمال والشدة والزوايا بما يتناسب مع تغيرات كل ثلث من الحمل.
أما إذا كانت مبتدئة ولم تسبق لها ممارسة الرياضة فنبدأ معها بتدرّج شديد بالتركيز على تمارين الثبات التوازن تقوية العضلات الداعمة والتمارين الهوائية خفيفة إلى متوسطة الشدة.
الوضعية والأمان: تجنب التمارين التي تتطلب الاستلقاء الكامل على الظهر (Supine position) بعد الشُّهر الرابع تجنباً للضغط على الوريد الأجوف السفلي مع تجنب التمارين عالية الخطورة ذات الارتطام أو التوازن الحاد.
خلال مرحلة ما بعد الولادة
التقييم قبل العودة الاستئناف لا يكون عشوائياً بل يبدأ بعد التصريح الطبي (عادة بعد 6 أسابيع للولادة الطبيعية و8-12 أسبوعاً للقيصرية).
الفحص الوظيفي: تقييم مدى جدار البطن للتأكد من عدم وجود انفصال عضلي (Diastasis Recti)، وفحص كفاءة عضلات قاع الحوض.
إعادة البناء الممنهج: البدء بتمارين إعادة تفعيل عضلات المركز والتنفس البطني والصدري الصحيح قبل الانتقال لتمارين القوة أو الشدة العالية.
كبار السن والفئات الخاصة
– كيف تُصمم برامج رياضية مناسبة لكبار السن والفئات ذات الاحتياجات الحركية الخاصة؟
يبدأ التصميم بتقييم شامل للقدرات الوظيفية والتاريخ الطبي.
نركز على تمارين القوة الوظيفية التي تشبه أنشطتهم اليومية (مثل القيام والجلوس) وتمارين التوازن للوقاية من السقوط مع وضع أعلى معايير السلامة.
– ما دور النشاط البدني في المحافظة على الاستقلالية لدى كبار السن؟
هو الأساس للحفاظ على جودة الحياة فالرياضة تحافظ على الكتلة العضلية والكثافة العظمية وتحسن التوازن، مما يتيح لكبير السن خدمة نفسه وأداء مهامه اليومية باستقلالية دون الحاجة إلى اعتماد على الآخرين.
البيلاتس والتقييم الحركي
– ما المقصود بتمرين البيلاتس وما أبرز فوائده؟
البيلاتس هو نظام حركي يعتمد على التحكم الوعي بالجسم، التركيز والتنفس الجانبي العميق يقوي عضلات المركز (Core) العميقة يحسن الاصطفاف الجسدي والقوام يزيد المرونة الوظيفية ويعزز الربط بين العقل والجسم.

– ما الفرق بينه وبين التمارين الأخرى؟
التمارين التقليدية تركز غالبُا على زيادة حجم العضلات السطحية بينما البيلاتس يركز على العضلات العميقة المسؤولة عن ثبات المفاصل والمحاذاة الحركية ويعمل على الجسم ككتلة واحدة مترابطة حركةً وتنفساً دون إجهاد المفاصل.
– كيف يساعد التقييم الحركي في تحسين الأداء والوقاية من الإصابات؟
التقييم الحركي يكشف الاختلالات العضلية والتعويضات الخاطئة قبل أن تتحول إلى آلام أو إصابات مما يتيح لنا تصميم برامج تصحيحية دقيقة ترفع كفاءة الحركة وتمنع الضغط غير المتكافئ على المفاصل.
– كيف يتم التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة في التمارين؟
بالتركيز على “القدرات والمساحات المتاحة” وليس على الإعاقة.
نعتمد على التقييم الفردي لتكييف التمارين والأدوات، واستغلال إمكانيات الجسد الحركة لأقصى مدى ممكن لتحسين جودة حياتهم واستقلاليتهم.
– هل الانقطاع عن التمرين أو تركه نهائياً له تأثير على صحة المدرب والمتدرب وما هو التأثير؟
نعم ينطبق مبدأ “عكس الأثر” (Reversibility)؛ فالانقطاع يؤدي لتراجع اللياقة القلبية التنفسية وفقدان جزء من الكتلة العضلية والمكاسب القوية
التأثير يشمل الجميع لأن الجسد يتكيف مع التحفيز المستمر، لكن الفرق أن الرياضي أو المدرب يستعيد لياقته بشكل أسرع بفضل “الذاكرة العضلية”.
مستقبل التدريب الرياضي
– كيف ترين مستقبل قطاع اللياقة والتأهيل الرياضي في المملكة؟
مستقبل واعد جداً ويمر بظفرة غير مسبوقة بفضل رؤية المملكة 2030 ودعمها للرياضة وصحة المجتمع.
القطاع يتحول بسرعة نحو الاحترافية العالية وازدياد الاهتمام بالتأهيل الوقائي والعلوم الرياضية مع توفر فرص كبيرة للكوادر الوطنية المؤهلة أوجدت بيئة خصبة للنمو.
– ما أبرز المهارات التي يحتاجها مدربو المستقبل لمواكبة التطور في علوم التدريب والتأهيل؟
الاطلاع المستمر على الأبحاث الحديثة وإتقان مهارات التقييم الحركي والبيوميكانيكس الذكاء العاطفي والتواصل الفعال مع المتدربين والقدرة على توظيف التقنيات الحديثة في قياس وتتبع الأداء.
– ما رسالتكِ للمدربين المبتدئين والراغبين في دخول مجال التدريب الرياضي؟
استثمروا في التعليم الحقيقي والمستمر ولا تكتفوا بالشهادات السريعة. بناء السمعة المهنية يقوم على العلم والأمانة والنتائج الآمنة التي تحققونها مع مشتركيكم.
اجعلوا صحة المتدرب وأمانه أولوية قصوى دائماً.
– بعد هذه المسيرة في التدريب والتأهيل ما الإنجاز الذي تعتزين به كثيراً.. وما الطموح الذي تسعين إلى تحقيقه مستقبلاً؟
أعتز جداً بكوني استطعت أولاً تغيير مساري الصحي والشخصي وتحقيق أفضل أداء لجسدي بعد سنوات من التدريب غير الموجه وأعتز بفرصة السفر والتدرب مع قادة هذا المجال عالمياً وبكل مدرب ومتدرب ساهمت في تطوير مسيرته.
أما طموحي فهو التوسع في إثراء المحتوى الأكاديمي والتعليمي للمدربين في المنطقة والمساهمة في تأهيل كوادر مدربين محترفين في مجال اللياقة البدنية .
كلمة أخيرة تختمين بها اللقاء:
أتوجه بالشكر لصحيفة “مكة” الإلكترونية على هذه الاستضافة التوعوية
كلمتي الأخيرة للجميع لا تنتظروا سنوات في تجارب غير موجهة العلم والمعرفة هما القصر والأمان لنتائج مستدامة.
الحركة هي الحياة والاستثمار في صحتك وقوتك الحركية اليوم هو الذي يضمن لك جودة حياة واستقلالية في الغد.







