كتاب الرأي

الأزمات تكشف المواقف… والصديق يُعرف عند الضيق

ليست الأزمات كلها شراً، فقد تحمل من الدروس والعبر ما لا تكشفه سنوات الرخاء. ولعل من أهم فوائدها أنها تكشف معادن الرجال ومواقف الدول، وتميّز الصديق الصادق من صاحب المواقف المتقلبة، وتضع العلاقات أمام اختبار حقيقي لا مكان فيه للمجاملات والشعارات. وصدق المثل القائل: (رُبَّ ضارّةٍ نافعة).

وما تعرضت له المملكة العربية السعودية من اعتداءات متكررة، ولا سيما من ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، يؤكد هذه الحقيقة. فقد استهدفت تلك الاعتداءات مطارات ومنشآت مدنية واقتصادية، ومنها مطار الرياض الدولي، ومطار أبها ومحطتا ضخ النفط على خط أنابيب (شرق – غرب)، فضلاً عن محاولات استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة. وهي اعتداءات تمس أمن المواطنين والمقيمين ومقدرات الوطن، وتهدد أمن الحرمين الشريفين واستقرار المنطقة.

والمؤسف أن بعض الأصوات في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بالصمت عن هذه الاعتداءات، بل أظهرت تأييداً لها أو حاولت تبريرها. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن لمن يدّعي الحرص على الأمة أن يبرر استهداف المطارات والمنشآت المدنية، أو تعريض أمن الحرمين الشريفين للخطر؟ إن الاختلاف السياسي لا يبرر العدوان، ولا يمنح أحداً حق تهديد أمن الدول وشعوبها.

لقد كشفت هذه الأحداث خطورة دعم الجماعات المسلحة والتدخل في شؤون الدول، وما ترتب على ذلك من صراعات استنزفت مقدرات المنطقة، وكان اليمن الشقيق من أكثر المتضررين منها. ومع ذلك، فمن الإنصاف ألا نحمّل الشعوب مسؤولية سياسات حكوماتها، أو نخلط بين الممارسات السياسية والانتماءات الدينية والمذهبية؛ فالمسؤولية تقع على من يرتكب الاعتداء أو يدعمه أو يبرره.

وهنا يأتي الدرس الأهم: الأزمات لا تكشف الخصوم وحدهم، بل تكشف الأصدقاء أيضاً. فهناك دول ومواقف صادقة أعلنت رفضها للاعتداءات ودعمها لأمن المملكة وسيادتها، وأخرى ترددت أو التزمت الصمت أو حاولت تبرير ما لا يمكن تبريره. وهذه مواقف ينبغي أن تبقى حاضرةً في الذاكرة الوطنية، لا لتصفية الحسابات، وإنما للاستفادة منها في بناء العلاقات على أسس الثقة والوفاء والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

أما حملات التشويه والإساءة التي تصدر عن بعض المنابر الإعلامية والحسابات الإلكترونية، فلن تنال من مكانة المملكة أو حقها المشروع في الدفاع عن نفسها. فالرد الأقوى عليها ليس الانجرار إلى الإساءة والكراهية، وإنما العمل والإنجاز والوعي، والتمسك بالحقائق ووحدة الصف. فالأوطان لا تُقاس بضجيج خصومها، بل بما تحققه لشعوبها، وبقدرتها على حماية سيادتها وبناء مستقبل أجيالها.

لقد واجهت المملكة عبر تاريخها تحديات كثيرة، واستطاعت بفضل الله، ثم بحكمة قيادتها وتلاحم شعبها، تجاوزها والمحافظة على أمنها واستقرارها. وما تشهده بلادنا اليوم من تحولات اقتصادية وتقنية وتنموية في ظل رؤية السعودية 2030 يؤكد أن التحديات لم تصرفها عن طموحاتها، ولا عن مسؤولياتها تجاه أمن المنطقة واستقرارها.

إننا على ثقة بالله أولاً، ثم بحكمة قيادتنا وقدرات وطننا وتلاحم شعبنا، بأن المملكة ستتجاوز هذه التحديات بإذن الله. وليس المطلوب أن نحمل الضغائن، وإنما أن نحفظ المواقف، وأن نعرف من وقف معنا وقت الشدة، ومن اكتفى بالكلمات أو وقف في الجانب الآخر.
و في هذه الظروف نقف مع قيادتنا صفاً واحداً في كل ما يحفظ أمن المملكة وسيادتها واستقرارها.

لقد ورثنا من آبائنا وأجدادنا محبة هذا الوطن والوفاء لقيادته، وسنورث أبناءنا وأحفادنا هذه القيم الراسخة، بإذن الله.

وستبقى المملكة قويةً بوحدتها، عزيزةً بقيادتها، آمنةً بتلاحم شعبها، ماضيةً في طريق البناء والازدهار.

اللهم احفظ بلاد الحرمين الشريفين، وقيادتنا وجنودنا وشعبنا، وأدم على وطننا نعمة الأمن والإيمان والعز والرخاء، وردّ عنه كيد المعتدين.

أ.د. عوض بن خزيم الأسمري

رئيس جامعة شقراء، عضو مجلس الشورى السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى