أعترف بأنني أصبحت أخشى نجاح المشروعات أكثر من تعثرها. فالمشروع المتعثر يمنحنا فرصة ثمينة لإعادة الهيكلة، وتشكيل فرق العمل، وإطلاق مبادرة تصحيحية. والمشروع الناجح يضعنا أمام مأزق إداري حقيقي: ماذا سنفعل به بعد أن يستقر؟
كنت أظن أن نجاح المؤسسة يُقاس بما أصبحت قادرة على تقديمه للناس. ثم اكتشفت أن هذا المعيار يحتاج إلى سنوات من العمل الهادئ، والسنوات مدة طويلة في حياة مسؤول طموح. وقد يأتي الإنجاز بعد مغادرتك، فينعم الناس بثمرته، ويحظى غيرك بشرف الإعلان عنه. والمشروعات التي تستمر طويلًا قد تنشغل بخدمة المستفيدين حتى ينسى الناس من أطلقها أول مرة. وهذه مخاطرة تستحق أن تدخل ضمن سجل المخاطر المؤسسية.
لذلك أعجبتني فكرة التجديد المستمر. كلما اقترب مشروع من النضج، أعدنا تقديمه بهوية جديدة وأهداف محدثة ومؤشرات أكثر طموحًا. فالعمل الذي يستمر بهدوء يصعب الاحتفاء به، والبدايات تمنحنا فرصًا متجددة لنروي قصة النجاح. ومن الظلم أن يُحرم المشروع الناجح من فرصة تدشينه مرة أخرى.
وتعلمت أن اختيار فريق العمل فن قائم بذاته. فمن أمضى سنوات في الميدان يتذكر أسباب القرارات السابقة، ويعرف حدود الموارد، وقد يسأل عن مصير المشروعات القائمة قبل إطلاق غيرها. وصاحب النظرة الاستراتيجية الخالصة يملك ميزة نادرة: يتخيل المستقبل بحرية أكبر من قيود الحاضر. ولهذا أحرص على الاستماع إلى أصحاب الخبرة بعد اكتمال التصور، حتى تظل الملاحظات في حدود التنفيذ.
وفي الجامعات تتجلى هذه الميزة بصورة بديعة. لدينا أساتذة يجمعون بين أربعة مقررات أو خمسة، وتحضير محاضراتها واختباراتها، ومتابعة طلابها، والبحث العلمي واللجان وملفات الاعتماد. ولأننا نثق بقدراتهم، نحرص على إشراكهم في المبادرات الجديدة. والأستاذ الذي يسأل عن الأولويات أطمئنه بأن جميع الأعمال مهمة، ثم أشجعه على حضور ورشة في إدارة الوقت، نضيفها بكل سرور إلى جدول أعماله.
وأتصور طالبًا يحتاج إلى ساعات إضافية لفهم موضوع علمي معقد، وأستاذه منشغل باستكمال متطلبات توثيق تجربة تعليمية سابقة. وأُكبر في منظومتنا قدرتها على ترتيب الأولويات؛ فالتجربة الموثقة ستبقى دليلًا على جودة التعليم، وحاجة الطالب إلى الفهم يمكن إدراجها ضمن فرص التحسين في الفصل القادم.
وبلغت منظومة الجودة مستوى متقدمًا. صرنا نوثق المحاضرات والاختبارات والاجتماعات والتوصيات وخطط التحسين. وأصبح لكل إنجاز ملف، ولكل ملف شواهد، ولكل شاهد متطلبات للتحقق من صحته. ولعل المرحلة القادمة تحمل فرصة أعظم: أن نوثق الوقت الذي استغرقه التوثيق، ثم نقيس أثر هذا القياس في كفاءة العاملين.
ومن فرط نجاحنا في القياس، وسّعنا دائرة المشاركة. صار الطالب يقيّم أستاذه، والأستاذ يقيّم الطالب بأدوات متعددة، ثم يقيّم زميله. فاكتملت منظومة يتبادل فيها الجميع الأحكام على الجميع، وأصبح لكل علاقة مهنية فرصة لتصبح مؤشر أداء.
ونحن نطالب الأستاذ بتوثيق أدق التفاصيل، ونمنح التوجيهات الكبرى من المرونة ما يغنيها عن عناء التوثيق. وحين سأل أحدهم عن المرجعية التنظيمية لبعض هذه الإجراءات، جاءه الجواب مطمئنًا: «توجيه من جهة عليا». طلب رقمه وتاريخه، فقيل له إن المعلومة وصلت من مصدر موثوق. وهكذا جمعنا بين أحدث أدوات الحوكمة وأعرق وسائل نقل المعرفة: حدثني أحد الثقات.
وقد يسأل سائل عن المستفيد النهائي من هذا النشاط المتواصل. سؤال مهم، خصصنا له مؤشرًا مستقلًا، وكلفنا فريقًا بدراسة آليات قياسه، على أن يبدأ بحصر المبادرات التي ذكرت المستفيد في أهدافها، لمعرفة حجم اهتمامنا به.
وأجد في الزمن تحديًا إداريًا مثيرًا. فنحن في عام 2026، ويمكن إطلاق مبادرة خلال أسابيع، وإضافة مؤشر في اجتماع، وتوليد واجهة موقع إلكتروني خلال ثلاث دقائق ونصف. أما بناء برنامج أكاديمي يستقطب الباحثين ويترك أثرًا في خريجيه فقد يستغرق سنوات. ولأن الوقت ثمين، أفضّل أن نبدأ بما نستطيع إعلان اكتماله خلال مدة مسؤوليتي.
وخطر لي مؤخرًا أن أُجري دراسة عن المشروعات التي أطلقناها قبل خمس سنوات: ماذا بقي منها؟ وكيف تغيرت حياة المستفيدين بسببها؟ وما القدرات التي صارت المؤسسة تمتلكها اليوم؟
ثم تذكرت أن لدينا صباح الغد حفل إطلاق مبادرة جديدة، وأن الفريق منشغل بإعداد العرض.
فقررت أن نطلق الدراسة نفسها مبادرةً في العام القادم، بحفل يليق بها.

