كتاب الرأي

استهداف المطارات المدنية.. انتهاك للقانون الدولي واختبار لمسؤولية المجتمع الدولي

لم تعد الاعتداءات التي تستهدف المطارات المدنية والمنشآت الحيوية مجرد أحداث أمنية عابرة، أو عمليات عسكرية يمكن النظر إليها بمعزل عن تداعياتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية، بل أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الإنسان، وسلامة الملاحة الجوية، واستقرار العلاقات الدولية. فحين يتحول مطار مدني يستقبل المسافرين من مختلف الجنسيات إلى هدف للصواريخ أو الطائرات المسيّرة، فإننا نكون أمام اعتداء تتجاوز خطورته حدود الدولة المستهدفة، ليمس منظومة الأمن المدني الدولي بأكملها.

وفي هذا السياق، تكتسب الاعتداءات التي تعرضت لها مطارات المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتها مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار أبها، أبعادًا بالغة الخطورة؛ ليس فقط لما تمثله هذه المطارات من أهمية استراتيجية واقتصادية، وإنما لكونها مرافق مدنية تخدم ملايين المسافرين، وتشكل جزءًا أساسيًا من منظومة النقل الجوي الإقليمي والدولي.

إن استهداف هذه المنشآت يطرح ثلاثة أسئلة جوهرية: ماذا يكشف الاعتداء على مطار مدني عن طبيعة الجهة المنفذة وأهدافها؟
وأين تقف مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الاعتداءات المتكررة على الأعيان المدنية؟
وكيف استطاعت المملكة أن تجمع بين حماية أمنها الوطني وإدارة التداعيات الإنسانية والخدمية لهذه الاعتداءات؟

أولًا: استهداف المطارات المدنية وتجاوز الخطوط الحمراء

تتمتع المنشآت المدنية، وفي مقدمتها المطارات، بحماية قانونية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تقوم على مبدأ أساسي هو التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وحظر توجيه الهجمات المتعمدة إلى المدنيين والمنشآت المدنية.

ولا تفقد المنشأة المدنية هذه الحماية لمجرد أهميتها الاقتصادية أو الاستراتيجية، وإنما يتطلب اعتبارها هدفًا عسكريًا تحقق شروط قانونية دقيقة تتعلق باستخدامها ومساهمتها الفعلية في العمل العسكري، والميزة العسكرية المحددة التي يمكن تحقيقها من استهدافها. وحتى عند تحقق هذه الشروط، تبقى قواعد التناسب واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين واجبة التطبيق.

ومن هنا، فإن استهداف مطار مدني بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة يثير تساؤلات قانونية خطيرة بشأن مشروعية الهجوم وطبيعة الهدف والوسائل المستخدمة، وقد يشكل جريمة حرب إذا ثبت تعمد استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية، أو ارتكاب هجوم عشوائي أو غير متناسب وفق الشروط التي يقررها القانون الدولي.

لكن خطورة هذه الاعتداءات لا تتوقف عند الجانب القانوني ، إذ تكشف أيضًا عن محاولة لتوسيع دائرة الصراع من المواجهة العسكرية إلى استهداف الحياة اليومية للمجتمعات، وتعطيل حركة المسافرين، وإرباك الخدمات الأساسية، وإثارة القلق لدى المواطنين والمقيمين والزوار.

فالمطار المدني ليس مدرجًا للطائرات وصالات للمغادرة والوصول فحسب، بل منظومة متكاملة من المصالح الإنسانية والاقتصادية والتجارية. وأي اعتداء عليه قد يؤدي إلى اضطراب الرحلات الجوية، وتعطيل حركة الأعمال، وتهديد سلاسل الإمداد، والإضرار بقطاع السياحة والاستثمار.

ولهذا فإن الاعتداء على مطار مدني لا يمكن قياس خطورته بحجم الأضرار المادية وحدها، بل بما ينطوي عليه من تهديد للأرواح، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات تتجاوز الحدود الجغرافية للدولة المستهدفة.

ثانيًا: من استهداف المنشآت إلى محاولة التأثير في إرادة الدولة

من منظور الدراسات الأمنية والاستراتيجية، يمكن قراءة استهداف المنشآت المدنية باعتباره محاولة لممارسة الضغط النفسي والاقتصادي والسياسي على الدولة المستهدفة، عندما يتعذر على الجهة المهاجمة تحقيق أهدافها من خلال المواجهة العسكرية المباشرة.

فالاعتداء على مطار دولي قد يستهدف، إلى جانب إحداث الضرر المادي، صناعة مشهد إعلامي يثير القلق، وإيصال رسالة مفادها أن الحياة المدنية والاقتصادية معرضة للتهديد.

غير أن هذا النوع من الاعتداءات يحمل في طياته تناقضًا استراتيجيًا إذ إن محاولة إظهار القوة عبر تهديد المدنيين قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعزيز الإدانات الدولية، وتوسيع نطاق التضامن مع الدولة المستهدفة، وإضعاف المبررات السياسية التي تسوقها الجهة المنفذة.

وفي الحالة اليمنية، فإن الاعتداءات المنسوبة إلى جماعة الحوثي على المنشآت المدنية السعودية تثير تساؤلات جوهرية حول مدى احترام الجماعة لقواعد القانون الدولي، وحول انعكاسات هذه الممارسات على فرص التسوية السياسية ومستقبل الأمن الإقليمي.

فلا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن أو المنطقة في ظل استمرار التهديدات التي تطال المدنيين والمنشآت الحيوية. كما أن أي مسار سياسي جاد لا بد أن يتضمن ضمانات واضحة لوقف الاعتداءات العابرة للحدود، ومنع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأهداف المدنية.

ثالثًا: المجتمع الدولي بين بيانات الإدانة ومسؤولية الردع

إن تكرار الاعتداءات على المطارات والمنشآت المدنية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى فاعلية النظام الدولي في حماية المدنيين وصيانة قواعد القانون الدولي الإنساني.

فالإدانات السياسية، على أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تقترن بإجراءات عملية تعالج أسباب التهديد وتمنع تكراره.

وهنا تبرز مسؤولية مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية المختصة، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، كلٌّ في نطاق اختصاصه، عن دعم سلامة الطيران المدني وتعزيز الالتزام بالقواعد والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وتتطلب المواجهة الدولية لهذه الاعتداءات العمل على عدة مسارات متكاملة، تبدأ بتوثيق الوقائع وجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات القانونية، وتمر بتعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني لمواجهة التهديدات الجوية، ولا تنتهي عند اتخاذ التدابير الدبلوماسية والقانونية المناسبة بحق الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن انتهاكات القانون الدولي.

كما ينبغي ألا تغيب عن هذه المعادلة حقيقة أن المطارات الدولية تستقبل مسافرين من عشرات الجنسيات، الأمر الذي يجعل الاعتداء عليها تهديدًا لمصالح دول متعددة، وليس للدولة المستهدفة وحدها.

ومن غير المقبول أن تتحول حماية الطيران المدني إلى قضية تخضع للاعتبارات السياسية المتغيرة أو ازدواجية المعايير. فالقانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائيًا في تطبيقه، وحماية المدنيين يجب أن تظل مبدأ ثابتًا لا يتغير باختلاف الأطراف أو المواقع الجغرافية.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة تعزيز المساءلة والردع القانوني، لأن غياب المحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة قد يشجع على تكرارها، ويقوض الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على حماية الأمن والسلم.

رابعًا: المملكة العربية السعودية وإدارة الأزمات بمفهوم الدولة المؤسسية

في مقابل هذه الاعتداءات، تبرز أهمية النموذج السعودي في التعامل مع الأزمات الأمنية، من خلال تكامل الجهود الدفاعية والأمنية والصحية والخدمية، بما يضع حماية الإنسان واستمرار الخدمات الأساسية في مقدمة الأولويات.

فإدارة الاعتداء على مطار مدني لا تنتهي عند اعتراض المقذوفات أو التعامل مع مصادر التهديد، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بتقييم الأضرار، وتأمين المنشآت، وحماية المسافرين والعاملين، وإدارة حركة الرحلات الجوية، وتوفير المعلومات الدقيقة للمتأثرين بالحادث.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للعمل المؤسسي؛ فكل جهة تؤدي مسؤولياتها ضمن منظومة متكاملة، تبدأ بالاستجابة الأمنية والدفاعية، وتمتد إلى أعمال الدفاع المدني والإسعاف والرعاية الصحية، ثم إجراءات الطيران المدني وشركات الطيران والجهات المشغلة للمطارات.

كما أن الاهتمام بالمسافرين المتأثرين، وإدارة تأخر الرحلات أو إلغائها، وتوفير البدائل والمساندة اللازمة وفق الظروف التشغيلية، يمثل جانبًا مهمًا من المسؤولية الإنسانية للدولة، ويعزز الثقة في قدرتها على التعامل مع الظروف الاستثنائية.

والأمر هنا لا يتعلق فقط بكفاءة الإجراءات الفنية، وإنما بفلسفة متكاملة في إدارة الأزمات تقوم على الاستعداد المسبق، وسرعة الاستجابة، والتنسيق بين الجهات، والشفافية في التواصل، وإعادة الخدمات إلى طبيعتها بعد التحقق من متطلبات السلامة.

إن الدولة القوية لا تُقاس قوتها بامتلاك منظومات الدفاع المتقدمة وحدها، وإنما بقدرتها على حماية مجتمعها، والمحافظة على استقرار مؤسساتها، ومنع الأزمات الأمنية من التحول إلى اضطرابات واسعة في الحياة المدنية والاقتصادية.

وهذه إحدى الركائز الأساسية لمفهوم الأمن الوطني الشامل الذي تتبناه الدول الحديثة، حيث تتكامل القوة العسكرية مع الكفاءة المؤسسية والمرونة الاقتصادية والجاهزية المدنية.

خامسًا: الأمن الوطني السعودي وأمن الملاحة الدولية

تحتل المملكة العربية السعودية موقعًا محوريًا في منظومة النقل والطاقة والتجارة الدولية، الأمر الذي يمنح أمن منشآتها الحيوية أهمية تتجاوز نطاقها الوطني.

فالمملكة ليست مجرد دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي، بل مركز رئيسي لحركة الطيران والنقل والخدمات اللوجستية، ووجهة تستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار والمسافرين من مختلف أنحاء العالم.

وفي ضوء مستهدفات رؤية المملكة 2030، تتزايد أهمية قطاع الطيران المدني بوصفه أحد المحركات الرئيسية لتنويع الاقتصاد، وتعزيز الربط الجوي، وتطوير السياحة والخدمات اللوجستية.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية المطارات السعودية تمثل حماية لمصالح وطنية ودولية متداخلة، كما أن ضمان استمرار عملها بكفاءة وأمان يعزز الثقة في البيئة الاستثمارية والاقتصادية للمملكة.

ويكشف ذلك عن أهمية الربط بين الأمن والتنمية ، إذ لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام دون بيئة آمنة ومستقرة، كما أن الاستثمار في البنية التحتية الحديثة يتطلب تطوير منظومات الحماية والاستجابة للمخاطر.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن قدرة الدول على الصمود أمام التهديدات لا تتوقف على منع وقوع الحوادث فحسب، بل تشمل أيضًا قدرتها على احتواء آثارها، واستمرار مؤسساتها في أداء مهامها، واستعادة النشاط الطبيعي بأسرع وقت ممكن دون الإخلال بمتطلبات السلامة.

سادسًا: الردع المشروع والمسؤولية الدولية

إن حق المملكة العربية السعودية في حماية أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها حق أصيل تكفله قواعد القانون الدولي، بما في ذلك حق الدفاع عن النفس وفق الشروط المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

لكن ممارسة هذا الحق لا تنفصل عن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمة ذلك التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، واحترام قواعد التناسب والاحتياطات الواجبة.

ومن هنا تتضح أهمية الجمع بين الحزم العسكري والانضباط القانوني، وبين القدرة على مواجهة مصادر التهديد والحرص على حماية المدنيين.

فالردع الفعال لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما يستند كذلك إلى المشروعية القانونية، والتماسك الداخلي، والقدرة الدبلوماسية على بناء المواقف الدولية الداعمة للأمن والاستقرار.

كما أن مواجهة الاعتداءات على المملكة ينبغي أن تكون جزءًا من رؤية إقليمية أوسع تعالج مصادر التهديد، وتدعم مؤسسات الدولة اليمنية الشرعية، وتساعد على استعادة الاستقرار، وتمنع استمرار استخدام الأراضي اليمنية منطلقًا للاعتداءات العابرة للحدود.

وهنا تتجلى أهمية الموقف السعودي الذي يجمع بين حماية الأمن الوطني ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في اليمن، انطلاقًا من حقيقة أن أمن البلدين مترابط، وأن استقرار اليمن يمثل مصلحة استراتيجية لشعبه وللمنطقة بأكملها.

خاتمة: قوة الدولة في حماية الإنسان وصيانة السيادة

إن الاعتداء على مطار مدني ليس مجرد استهداف لمنشأة أو تعطيل لرحلة جوية، بل هو اعتداء على حق الإنسان في الأمن، وتهديد لسلامة الملاحة الدولية، واختبار لمدى احترام قواعد القانون الدولي.

وإذا كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة قادرة على إحداث أضرار مادية وتعطيل مؤقت لبعض الخدمات، فإنها لا تستطيع وحدها النيل من تماسك دولة تمتلك مؤسسات راسخة، وقدرات دفاعية متقدمة، وإرادة سياسية واضحة لحماية أمنها وسيادتها.

لقد أصبحت حماية المنشآت المدنية مسؤولية دولية مشتركة، ولم يعد مقبولًا الاكتفاء ببيانات الإدانة كلما تعرض مطار أو مستشفى أو منشأة خدمية للاعتداء. فالمطلوب منظومة أكثر فاعلية للمساءلة والردع، تضمن عدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة من المحاسبة.

وفي التجربة السعودية تتجسد معادلة بالغة الأهمية: قوة في حماية السيادة، وكفاءة في إدارة الأزمات، ومسؤولية في رعاية الإنسان، والتزام بالمبادئ القانونية والإنسانية.

وتبقى الحقيقة الأهم أن الدول تُختبر في الأزمات، وأن قوة المملكة لا تتجلى فقط في قدرتها على مواجهة الاعتداءات، وإنما أيضًا في قدرتها على مواصلة البناء والتنمية، وحماية مواطنيها والمقيمين على أرضها وضيوفها، وصيانة مكانتها بوصفها ركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

فالصواريخ قد تستهدف المنشآت، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة دولة جعلت أمن الإنسان وصيانة السيادة واستمرار التنمية أولويات لا تقبل المساومة.

د أحمد بن حسن الشهري
الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

د. أحمد بن حسن الشهري

الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى