يقول المتنبي: ” إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا
ألّا تفارقهم فالراحلونَ هُمُ”.
بيتٌ يعيد توزيع المسؤولية في كل فراق، من قدر على الإبقاء عليك ثم فرّط، هو الذي غادر. وإذا نقلنا المعنى من دائرة الأفراد إلى ساحة الدول وجدناه أصدق وأوضح؛ فالدولة التي تنفضّ عن تحالفٍ لم يعد يرعى مصالحها لا تنقض عهداً، وإنما تقرأ واقعاً تغيّر ، والطرف الذي كان قادراً على الاحتفاظ بشريكه ثم أهمله هو الراحل حقاً، وإن ظلت البيانات المشتركة تتحدث عن صداقة تاريخية.
في منتصف القرن التاسع عشر وقف اللورد بالمرستون، وزير خارجية بريطانيا، أمام مجلس العموم ليقرر أن بلاده لا تعرف حلفاء أبديين ولا أعداء دائمين، وأن الدائم وحده هو مصالحها، ولم تكن عبارته اكتشافاً بقدر ما كانت إفصاحاً صريحاً عما تمارسه الدول منذ نشأت ولا تقوله.
ومن أكبر الأخطاء في قراءة العلاقات الدولية الخلط بين لغة الدبلوماسية وجوهرها، فكلمة الصداقة في البيانات الرسمية لغة مجاملة تلطّف الأجواء ولا تصنع القرار، أما ما يصنعه فحسابٌ دقيق للمنفعة والضرر مثل الأمن، والأسواق، والطاقة، والموقع في خريطة القوة. وقد سبق ابن خلدون إلى أصل هذا المعنى حين قرر أن الاجتماع الإنساني ضروري لأن الواحد لا يستقل بتحصيل حاجته، والدول كذلك، لا تتقارب لأنها تتحابّ، بل لأن عند كل منها ما تحتاجه الأخرى، فإذا انقضت الحاجة تبدّل الاصطفاف.
والتاريخ شاهد لا يكذب، ففرنسا وألمانيا خاضتا ثلاث حروب طاحنة في سبعين عاماً ثم صارتا عماد الاتحاد الأوروبي، وستالين وقّع مع هتلر معاهدة عدم اعتداء ثم اجتاحت الجيوش الألمانية بلاده بعد عامين، ونيكسون طار إلى بكين بعد عقود من القطيعة، لا حباً في الصين، بل موازنةً للاتحاد السوفيتي، تبدّل الأصدقاء والأعداء، وبقيت المصالح وحدها ثابتة.
ولا يعني هذا أن المصلحة نقيض الأخلاق، المسؤول مؤتمن على مصالح وطنه، وتفريطه فيها مجاملةً لصديق خيانةٌ للأمانة التي في عنقه، وفي تراثنا ما يضبط هذه المعادلة، فصلح الحديبية عُقد بحساب المصلحة حتى استثقل بعض الصحابة شروطه، ثم تبيّن أنه كان فتحاً، والقرآن يأمر بالوفاء بالعهد ما دام قائماً، فإذا خيفت الخيانة أمر بنبذه على سواء. فالمصلحة تحدد متى تُعقد العلاقة ومتى تُنهى، والقيم تحدد كيف يكون ذلك.
والدولة التي تبني أمنها على وعود الآخرين تضع استقرارها في يد من قد يغيّر حساباته غداً، أما التي تستمد قوتها من داخلها فيأتيها الشركاء تبعا،. وقد أحسنت القيادة السعودية قراءة هذا المنطق، وأدّت واجبها فيه على أكمل وجه، من تنوّيع شراكاتها شرقاً وغرباً، وبنت علاقاتها على ما يخدم رؤيتها التنموية لا على اصطفافٍ موروث، وأدارت التوازنات في منطقة مضطربة بحكمة وصبر، فحفظت للوطن أمنه ومكانته دون أن ترهن حاضره لأحد.
غير أن الدولة لا تحميها قيادتها وحدها، فإذا كانت القيادة قد أحسنت إدارة المصالح في الخارج، فإن الدور اليوم على المواطنين والمقيمين على هذه الأرض المباركة في حماية الداخل، فالجبهة الداخلية هي الرصيد الأول للدولة، يحسب الشريك حسابها حين يراها متماسكة، ويتجرأ الخصم عليها حين يرى صفها منقسماً. والتيارات المعادية، أياً كان مصدرها وشعارها، لا تبحث عن ثغرة في الحدود بقدر ما تبحث عن ثغرة في القلوب مثل شائعة تُتداول، أو تشكيك يُبث، أو فتنة تُزرع بين أبناء البيت الواحد.
وفي مثل هذه الظروف لا يكون الحياد موقفاً بريئاً كما يبدو، فمن يقف متفرجاً حين يُستهدف وطنه بالتحريض يترك الساحة لمن يريد به سوءاً، ويقصّر في حقٍّ هو من أوجب الحقوق عليه. فالوطن ليس نُزُلاً يقيم فيه الإنسان ما دامت الخدمة حسنة، بل بيتٌ يُحمى حين تشتد الريح. وقد ودّع النبي ﷺ مكة يوم الهجرة مؤكداً أنها أحب البلاد إليه، ولولا أن قومه أخرجوه منها ما سكن غيرها.
لكن الانتصار للوطن لا يكون بخطاب متشنج، ولا بتخوين الناس وتصنيفهم؛ فهذه اللغة تخدم خصومه أكثر مما تخدمه، إذ تفرّق حيث يُراد الجمع. الولاء الحقيقي يظهر في كلمة راقية تقنع ولا تنفّر، وفي حجة هادئة ترد الشائعة بالحقيقة، وفي عمل متقن يضيف إلى قوة البلد، وفي وعيٍ يميّز بين النقد الصادق الذي يبني والتحريض المقنّع الذي يهدم. والانتماء يُغرس بالقدوة والكلمة الطيبة أكثر مما يُفرض بالاتهام.
حين تعيد قراءة بيت المتنبي بهذا الفهم، تدرك أن الرحيل في السياسة ليس دائماً خسارة؛ فمن كان بوسعه أن يحفظ شريكه فلم يفعل هو الذي غادر موقعه، حتى لو بقي اسمه في قوائم الحلفاء. وتبقى مصلحة الوطن أمانة مشتركة، حملتها القيادة في الخارج بحكمتها، ويحملها المواطن والمقيم في الداخل بوعيه وولائه ووحدة صفه.
0

