
مكة تقرأ
نشتري الأجهزة الحديثة ونحرص على معرفة طريقة تشغيلها، ونتابع تحديثاتها لتحسين أدائها وإطالة عمرها، لكننا نعيش داخل أكثر الأنظمة تعقيدًا دون أن نعرف الكثير عن طريقة عمله: جسم الإنسان. ننام ونستيقظ، نأكل ونتحرك، نتعلم وننسى، ونواجه الضغوط اليومية، دون أن نتوقف طويلًا عند العمليات البيولوجية التي تتحكم في كل ذلك.
من هذه المفارقة ينطلق عالم الأعصاب الأمريكي الدكتور أندرو هوبرمان في كتابه «بروتوكولات: دليل تشغيل لجسم الإنسان» (Protocols: An Operating Manual for the Human Body)، محاولًا تقريب المعرفة العلمية من الحياة اليومية، والإجابة عن سؤال يهم الجميع: هل يمكن للإنسان تحسين صحته وتركيزه وأدائه الجسدي والعقلي إذا فهم القواعد البيولوجية التي تحكم جسمه؟
الكتاب يقدم تصورًا عمليًا للعلاقة بين العلم والسلوك، وينطلق من فكرة أن كثيرًا من الوظائف الحيوية تتأثر بعادات نمارسها كل يوم، بعضها يبدو بسيطًا إلى درجة أننا لا نلتفت إلى أهميته.
من المختبر إلى الحياة اليومية
اكتسب أندرو هوبرمان، أستاذ علم الأعصاب بجامعة ستانفورد، حضورًا واسعًا عبر بودكاسته الشهير «Huberman Lab»، الذي جعل من موضوعات الأعصاب والنوم والهرمونات والتعلم والصحة الذهنية مادة يتابعها جمهور يتجاوز الأوساط العلمية.
وتقوم جاذبية مشروعه على محاولة الإجابة عن الأسئلة اليومية من داخل المختبر: لماذا نشعر بالخمول في أوقات معينة؟ كيف يؤثر الضوء في ساعتنا البيولوجية؟ ما العلاقة بين النشاط البدني ووظائف الدماغ؟ وكيف نستطيع التعامل مع التوتر وتحسين قدرتنا على التركيز؟
في كتابه الجديد، يجمع هوبرمان هذه الاهتمامات في إطار واحد، يربط المعرفة البيولوجية بالممارسات اليومية، ويقدم للقارئ مجموعة من البروتوكولات التي تهدف إلى تحسين الأداء والصحة.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن في عدد النصائح التي يقدمها، وإنما في محاولته تفسير الأسباب العلمية التي تجعل بعض الممارسات مفيدة، وما يحدث داخل الجسم عندما نغير سلوكياتنا.
سبعة مفاتيح لفهم الجسم
تدور الموضوعات الرئيسية للكتاب حول سبعة مجالات ترتبط بحياة الإنسان: النوم، والرياضة، والتحكم في التوتر، والتغذية، والضوء، والتركيز والتحفيز والتعلم، والنمو الشخصي.
واللافت أن معظم هذه المجالات ليست جديدة على القارئ. فالحديث عن أهمية النوم أو الحركة أو الغذاء الصحي يتكرر منذ عقود، لكن هوبرمان يسعى إلى إعادة تقديمها من منظور علم الأعصاب والوظائف البيولوجية.
النوم، مثلًا، ليس مجرد فترة راحة يتوقف خلالها الإنسان عن العمل، بل عملية حيوية ترتبط بالذاكرة وتنظيم المشاعر والتمثيل الغذائي والتعافي الجسدي. ولهذا فإن تحسين النوم لا يبدأ بالضرورة من البحث عن وسيلة للنوم بسرعة، وإنما من فهم العوامل التي تنظم إيقاع الجسم على مدار اليوم.
أما النشاط البدني، فيتجاوز دوره المحافظة على العضلات والوزن، ليرتبط بصحة القلب والدماغ والقدرة على أداء المهام اليومية. وتدعم الأبحاث الطبية فوائد النشاط المنتظم، مع اختلاف نوع التمارين وشدتها بحسب العمر والحالة الصحية والقدرة البدنية.
ويحظى الضوء بمكانة خاصة في منهج هوبرمان، نتيجة تأثيره المعروف في الساعة البيولوجية التي تنظم دورات النوم واليقظة. فالتعرض للضوء الطبيعي خلال النهار، وتقليل الإضاءة القوية في الأوقات القريبة من النوم، من الممارسات التي يمكن أن تساعد على انتظام الإيقاع اليومي لدى كثير من الأشخاص.
أما التوتر، فيتناوله المنهج باعتباره استجابة بيولوجية طبيعية، يمكن أن تصبح مرهقة عندما تستمر بصورة مزمنة. وهنا تبرز أهمية فهم العلاقة بين الجهاز العصبي والتنفس والانفعالات والسلوك.
وتتكامل هذه المجالات مع التغذية والتعلم والنمو الشخصي، لتقدم صورة لجسم يعمل ضمن منظومة مترابطة، يتأثر كل جزء منها بما يحدث في الأجزاء الأخرى.
عادات أساسية وأدوات موجهة
من الأفكار المركزية التي يقوم عليها الكتاب التمييز بين السلوكيات الأساسية والأدوات الموجهة.
السلوكيات الأساسية هي الممارسات التي تشكل القاعدة اليومية للصحة والأداء، مثل النوم المنتظم والحركة والتغذية المناسبة. وهي لا تعد بنتائج استثنائية خلال أيام، لكنها تسهم في بناء مستوى أكثر استقرارًا من الصحة والقدرة على العمل.
أما الأدوات الموجهة، فهي ممارسات وتقنيات تستخدم لتحقيق أهداف محددة، مثل تحسين التركيز أو التعامل مع موقف ضاغط أو دعم عملية التعلم.
وهذا التمييز مهم؛ لأنه يضع الأولويات في مواضعها الصحيحة. فمن غير المنطقي أن يبحث الإنسان عن تقنيات متقدمة لتحسين أدائه الذهني، بينما يعاني باستمرار من قلة النوم أو الخمول البدني أو اضطراب نمط حياته.
ويثير هذا الطرح سؤالًا يستحق التفكير: هل أصبحنا نبحث عن حلول معقدة لمشكلات يمكن أن يبدأ التعامل معها من تعديل عادات بسيطة؟
هل نستطيع التحكم في أجسامنا؟
يحمل عنوان الكتاب استعارة لافتة، إذ يقدم الجسم باعتباره نظامًا يحتاج إلى دليل تشغيل. وهي صورة تساعد القارئ على فهم أهمية المعرفة البيولوجية، لكنها تستدعي قدرًا من الحذر.
فجسم الإنسان ليس آلة يمكن توقع استجابتها بصورة متطابقة لدى جميع الأشخاص. تتداخل في وظائفه العوامل الوراثية والعمر والحالة الصحية والبيئة والظروف النفسية والاجتماعية.
وقد تنجح ممارسة معينة لدى شخص، بينما تكون فائدتها محدودة لدى آخر، أو تحتاج إلى تعديل حتى تصبح مناسبة له.
كما أن فهم الآلية البيولوجية لأي ممارسة لا يعني بالضرورة ثبوت فائدتها السريرية. فالعلم يميز بين الفرضيات التي تفسر كيف يمكن أن يحدث التأثير، والتجارب التي تثبت حدوثه بالفعل، والدراسات التي تحدد مدى فائدته وأمانه على المدى الطويل.
وهنا تظهر أهمية القراءة النقدية لكتاب هوبرمان. فبعض الموضوعات التي يناقشها، مثل أهمية النوم والنشاط البدني، تستند إلى أدلة علمية واسعة، بينما تحتاج بعض التقنيات المرتبطة بتحسين الأداء إلى تقييم مستقل لقوة الدراسات التي تدعمها.
والفارق كبير بين أن نقول إن ممارسة ما تؤثر في نشاط الجهاز العصبي، وأن نجزم بأنها تحسن الصحة أو تطيل العمر.
المعرفة العلمية بين الفائدة والمبالغة
حقق المحتوى العلمي المبسط انتشارًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا عندما ارتبط بالصحة وطول العمر والإنتاجية وتحسين الأداء البشري.
ويأتي نجاح هوبرمان الإعلامي ضمن هذا التحول، حيث أصبح الجمهور يبحث عن تفسير علمي لعاداته اليومية، وعن وسائل تساعده على اتخاذ قرارات صحية أفضل.
لكن انتشار هذا النوع من المحتوى يطرح تحديًا مهمًا: كيف نحافظ على دقة المعرفة عندما تتحول الأبحاث المعقدة إلى نصائح سريعة قابلة للتداول عبر المنصات الرقمية؟
فالبحث العلمي يتطور باستمرار، وما يبدو واعدًا في دراسة محدودة قد لا تصمد نتائجه أمام تجارب أكبر. كذلك فإن النتائج المستخلصة من مجموعات صغيرة أو ظروف مختبرية لا يمكن تعميمها تلقائيًا على الجميع.
ولذلك ينبغي التعامل مع البروتوكولات باعتبارها مقترحات تتفاوت قوة أدلتها، وليس وصفات مضمونة لتحسين جميع الوظائف البشرية.
هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة تبسيط العلوم، بل تمنحه المصداقية التي يحتاج إليها.
لماذا يستحق الكتاب القراءة؟
تنبع قيمة «بروتوكولات» من موضوعه الذي يلامس حياة الجميع، ومن محاولته جمع مجالات متعددة في إطار يربط السلوك اليومي بالصحة والأداء.
والقارئ الذي يتعامل مع الكتاب بعقل نقدي يستطيع الاستفادة من أسئلته الأساسية، حتى لو لم يتبنَّ جميع توصياته.
فالمعرفة المتعلقة بالنوم والتغذية والحركة والتوتر ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما جزء من فهم الإنسان لذاته وقدرته على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الرغبة في تحسين الأداء إلى انشغال دائم بمراقبة الجسد وقياس كل وظيفة من وظائفه. فالصحة الجيدة لا تعني الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الإنتاجية في كل لحظة، كما أن جودة الحياة لا تختزل في الأرقام والمؤشرات الحيوية.
ولعل أفضل ما يمكن أن يخرج به القارئ من هذا النوع من الكتب هو القدرة على التمييز بين ما يستطيع تغييره في سلوكه، وما يحتاج إلى استشارة متخصصة، وما ينبغي أن يترك فيه مساحة للطبيعة البشرية واختلاف الأفراد.
حين تصبح معرفة الجسد ثقافة يومية
يفتح كتاب هوبرمان بابًا أوسع من مجرد تحسين النوم أو زيادة التركيز. إنه يدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بأجسامنا، وفي مقدار ما نعرفه عن العمليات التي تجعلنا قادرين على التفكير والعمل والتعلم والاستمرار.
والفكرة الجديرة بالتأمل أن كثيرًا من القرارات الصغيرة التي نتخذها يوميًا قد تترك آثارًا تراكمية في صحتنا على المدى الطويل.
غير أن الإنسان لا يحتاج إلى تحويل حياته إلى مختبر دائم حتى يستفيد من العلم. يكفي أن يفهم المبادئ الأساسية، ويختار الممارسات التي تناسب ظروفه، ويتعامل مع الوعود الكبيرة بحذر.
فالجسم لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الأدوات بقدر ما يحتاج إلى فهم أفضل، وعادات أكثر انتظامًا، واحترام حدوده الطبيعية.
وهذه، ربما، أهم رسالة يمكن أن يحملها القارئ من كتاب يقدم نفسه باعتباره دليل تشغيل لجسم الإنسان.

مكة تقرأ | صحيفة مكة الإلكترونية
قراءات في الكتب والأفكار التي توسع المعرفة وتفتح أبواب النقاش.




