تذكر الروايات التاريخية أنه إبان الاضطرابات السياسية التي شهدتها السنوات الأخيرة من خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ظهرت رسائل تحريضية نُسبت إلى عدد من كبار الصحابة، من بينهم أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وطلحة والزبير، رضي الله عنهم. وكانت تلك الرسائل تؤلّب الرأي العام على عثمان، وتحاول إيهام الناس خارج حدود المدينة المنورة بأن شخصيات بارزة في المجتمع تؤيد الثورة عليه.
وقد استطاع من كان يقف خلف تلك الرسائل المزورة صناعة مواقف عدائية وتحريك الجماهير، اعتمادًا على معلومات لم يتحقق من صحتها أحد، وأسهمت، بحسب تلك الروايات، في تأجيج الأحداث التي انتهت بالثورة على عثمان ومحاصرته في منزله، ثم مقتله.
ويُروى أن مسروق بن الأجدع سأل عائشة، رضي الله عنها، عن تلك الرسائل بعد وفاة الخليفة عثمان، فقال لها: «لِمَ كتبتِ إلى الناس تأمرينهم بالخروج على عثمان؟»، فقالت: «والله ما وضعتُ أسودَ على أبيض»، أي إنها لم تكتب أيًّا من تلك الرسائل المنسوبة إليها؛ فالأسود هو الحبر، والأبيض هو الورق.
وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، تغيرت وسائل الاتصال، لكن أساليب التضليل والتحريض لم تتغير كثيرًا؛ فقد حلّت الحسابات الوهمية محل الرسائل المزورة، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها منصة «إكس»، ميدانًا خصبًا لصناعة الخصومات وتأجيج الخلافات بين الشعوب من خلال انتحال الهوية.
ومنذ بداية عملية «فجر اليمن» العسكرية، بات لافتًا في النقاشات المتداولة على منصة «إكس» تصاعد السجالات الإلكترونية بين حسابات تدّعي الانتماء إلى دول خليجية مختلفة؛ إذ تظهر حسابات تتقمص الهوية السعودية لتسيء إلى دول خليجية شقيقة، وتقابلها حسابات تدّعي الانتماء إلى تلك الدول لتوجّه إساءات إلى المملكة العربية السعودية.
وسرعان ما يندفع بعض المغردين، بدافع الحماسة الوطنية، إلى معارك كلامية دون التثبت من هوية الطرف الآخر، أو التساؤل عن المستفيد الحقيقي من إشعال هذه الخصومات!
وهكذا تبدأ معركة إلكترونية لا يعرف المشاركون فيها من أشعل شرارتها، ولا من يقف خلفها! بينما تتسع دائرة الإساءة المتبادلة، ويتحول خلاف مصطنع بين حسابات مجهولة إلى خصومة حقيقية بين أشخاص ينتمون إلى مجتمعات متجاورة. والأخطر من ذلك أن بعض المستخدمين يمنحون تلك الحسابات صفة التمثيل الوطني، فيتعاملون مع تغريدة مسيئة كتبها حساب مجهول وكأنها تعبير عن موقف شعب بأكمله!
ومع إتاحة بعض المعلومات المتعلقة بالمواقع الجغرافية للحسابات على منصة «إكس»، أصبح بالإمكان رصد مؤشرات قد تثير التساؤل حول هوية أصحابها، خصوصًا عندما تتناقض مع الهوية التي يعلنونها. فظهور موقع مثل غرب آسيا (West Asia)، أو أوروبا (Europe)، أو شمال أفريقيا (North Africa)، قد يكون مؤشرًا يستدعي التحقق، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات انتحال الهوية أو تحديد الموقع الفعلي لصاحب الحساب.
ومن غير المستبعد أن تكون بعض هذه الخلافات المصطنعة بين شعوب الخليج مدفوعة بحسابات يديرها أشخاص من خارج المنطقة، أو أن تقف خلف بعض حملات التحريض جهات منظمة تستغل البيئة الرقمية لتأجيج الخلافات وتوجيه الرأي العام. ولا يمكن كذلك استبعاد احتمال تورط جهات استخباراتية في مثل هذه الحملات، وإن كان الجزم بذلك يحتاج إلى أدلة موثوقة.
إن أخطر ما يفعله الذباب الإلكتروني ليس نشر الإساءة فحسب، بل دفع الآخرين إلى تبنيها وإعادة إنتاجها، حتى يتحول المواطن العادي، بحسن نية أحيانًا، إلى أداة مجانية في حملة لا يعرف أهدافها الحقيقية.
ولعل المفارقة أن من يندفع للرد على حساب مجهول دفاعًا عن وطنه قد يسهم، دون أن يشعر، في تحقيق الغاية التي أُنشئ ذلك الحساب من أجلها.
فقد تغيّر الحبر إلى شاشات، والرسائل إلى تغريدات، لكن الخدعة القديمة ما زالت قادرة على استدراج ضحايا جدد.

