كتاب الرأي

في اليوم العالمي للمدير.. هل نحتفي بالمنصب أم بالأثر؟

في السادس عشر من أكتوبر من كل عام، تتجدد مناسبة اليوم العالمي للمدير، حيث تتجه الأنظار إلى أولئك الذين يتولون مسؤولية قيادة الفرق وإدارة المؤسسات وصناعة القرارات. وبين عبارات الشكر والتقدير، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نحتفي بالمدير لأنه يشغل منصبًا إداريًا، أم لأن قيادته تركت أثرًا إيجابيًا في حياة من يعملون معه؟

لماذا اختير السادس عشر من أكتوبر؟

تعود قصة هذه المناسبة إلى عام 1958، عندما بادرت الموظفة الأمريكية باتريشيا بايز هاروسكي، التي كانت تعمل في شركة State Farm للتأمين، إلى تسجيل يوم خاص لتقدير المديرين، واختارت السادس عشر من أكتوبر تحديدًا لأنه يوافق يوم ميلاد والدها، الذي كان مديرها في العمل.

لم يكن اختيارها مجرد مصادفة تاريخية، بل تعبيرًا عن تقديرها لوالدها بوصفه نموذجًا للمدير الجيد. وفي عام 1962، أعلن حاكم ولاية إلينوي أوتو كيرنر الاعتراف بهذه المناسبة على مستوى الولاية، قبل أن تنتشر تدريجيًا في بيئات عمل متعددة حول العالم.

وهكذا بدأت المناسبة من تجربة إنسانية بسيطة، ثم تحولت إلى فرصة سنوية للتأمل في العلاقة بين المدير وموظفيه، وفي معنى القيادة التي تستحق التقدير.

ماذا تقول الدراسات العلمية عن المديرين؟

لم تعد الإدارة في الفكر التنظيمي الحديث مجرد ممارسة للصلاحيات أو متابعة للمهام، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في الرضا الوظيفي، والارتباط المؤسسي، والإنتاجية، واستبقاء الكفاءات.

فقد أظهرت أبحاث مؤسسة Gallup أن المديرين يفسرون ما لا يقل عن 70% من التباين في مستويات اندماج الموظفين بين فرق العمل، وهي نتيجة تعكس أهمية الممارسات الإدارية في تشكيل التجربة الوظيفية.

كما كشفت إحدى دراساتها، التي شملت 7,272 بالغًا في الولايات المتحدة، أن واحدًا من كل اثنين أفاد بأنه ترك وظيفة في مرحلة من حياته المهنية للابتعاد عن مديره.

وفي تجربة بحثية أخرى، درست شركة Google خصائص المديرين الفاعلين من خلال مشروع Project Oxygen، وتوصلت إلى أن المدير الناجح لا يقتصر دوره على تحقيق النتائج، بل يمتد إلى تطوير الموظفين، وبناء العلاقات المهنية، وتوفير بيئة تشجع التعاون والتعلم.

وهنا تتضح حقيقة مهمة: قد يمتلك المدير الصلاحية التي تمنحه حق اتخاذ القرار، لكنه يحتاج إلى الثقة والعدالة والاحترام حتى يكتسب التأثير الحقيقي في فريقه.

تجربة مهنية لا أنساها

في إحدى مراحل عملي المهني، مررت بتجربة بسيطة في ظاهرها، لكنها تركت في ذاكرتي أثرًا قياديًا عميقًا.

طلب مني مديري آنذاك أن أقوم بتقييم أدائه القيادي عبر منصة إلكترونية مخصصة للتقييم تتبع إحدى الشركات العالمية.

أتذكر أنني شكرته على ثقته، وعلى إتاحته لي هذه الفرصة. وبكل أمانة، شعرت بسعادة كبيرة، ليس لمجرد مشاركتي في عملية التقييم، بل لأنني وجدت نفسي أمام مدير يمتلك الشجاعة المهنية التي تجعله يطلب رأي من يعملون معه في أدائه.

كان بإمكانه الاكتفاء بموقعه الإداري وخبرته وصلاحياته، لكنه اختار أن يستمع.

وقد علمتني تلك التجربة أن القائد الواثق من نفسه لا يخشى التقييم، ولا ينظر إلى ملاحظات موظفيه بوصفها انتقاصًا من مكانته، بل يعدها فرصة للتعلم والتحسين والنمو.

وأدركت حينها أن أجمل ما يمكن أن يقدمه المدير لموظفيه ليس الثقة في قدراتهم فحسب، بل الثقة في آرائهم أيضًا، حتى عندما تكون تلك الآراء موجهة لتقييمه شخصيًا.

لقد كانت تجربة جعلتني أعيد التفكير في مفهوم القيادة، وأؤمن بأن قوة المدير لا تقاس بمدى قدرته على تقييم الآخرين فقط، بل باستعداده لأن يكون هو نفسه محل تقييم.

هل أصبحت مؤسساتنا تحتفل باليوم العالمي للمدير؟

بدأت هذه المناسبة تحظى بحضور في عدد من بيئات العمل السعودية، من خلال رسائل التقدير والمبادرات الداخلية والاحتفاء بالقيادات الإدارية.

ومع ذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد المؤسسات التي تحتفل بهذه المناسبة، بل بطبيعة الرسالة التي تحملها تلك الاحتفالات.

هل نريدها مناسبة بروتوكولية لتبادل عبارات الشكر؟ أم فرصة لمراجعة ثقافتنا القيادية، وقياس جودة العلاقة بين المدير والموظف، وتعزيز ممارسات التقييم والتغذية الراجعة المتبادلة؟

إن المؤسسات التي تطمح إلى التميز لا يكفي أن تحتفي بمديريها يومًا واحدًا في العام، بل تحتاج إلى بناء ثقافة إدارية تجعل الاستماع للموظفين ممارسة مستمرة، وتربط التقدير بالكفاءة والسلوك القيادي والأثر المؤسسي.

ولعل من أجمل المبادرات التي يمكن تبنيها في هذه المناسبة إتاحة الفرصة للموظفين لتقييم ممارسات القيادة بصورة مهنية وآمنة، وتوظيف نتائج التقييم في التطوير، لا في إصدار الأحكام الشخصية.

القيادة الحقيقية تبدأ حين يتحدث الموظف دون خوف

في رأيي، لا تكمن قوة المدير في أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة دائمًا، بل في قدرته على بناء بيئة يشعر فيها الموظف أن صوته مسموع، وأن رأيه محترم، وأن اختلاف وجهات النظر لا يهدد علاقته المهنية أو فرص تطوره.

فالمدير الذي يمنح موظفيه مساحة للتعبير والنقد البنّاء لا يفقد شيئًا من سلطته، بل يكتسب قيمة أكبر من السلطة، وهي الثقة.

وفي اليوم العالمي للمدير، أجد أن أصدق تقدير يمكن تقديمه للقائد هو الاعتراف بالأثر الذي صنعه في الآخرين، وبالفرص التي منحها لهم كي يتعلموا وينجحوا ويتطوروا.

فالمنصب يمنح صاحبه سلطة الإدارة، أما السلوك فيمنحه استحقاق القيادة.

وإذا كان السادس عشر من أكتوبر يومًا للاحتفاء بالمدير، فليكن أيضًا يومًا يطرح فيه كل مدير على نفسه سؤالًا بسيطًا وعميقًا:

لو أتيحت لموظفيّ فرصة تقييمي بكل حرية، فماذا سيقولون عن قيادتي؟

ذلك السؤال، في تقديري، قد يكون أكثر قيمة من مئات عبارات التهنئة.

وكل عام لكل مدير يصنع أثرًا، ويبني إنسانًا، ويترك خلفه بيئة عمل أفضل.

د. صباح عسيري

باحثة دكتوراة في أساليب القيادة نحو أثر مستدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى