المقالات

مظاهرات فرنسا بين التعبير عن الرأي ونشر الفوضى

تواجه المجتمعات تحديات متراكمة، من بينها الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها بعض الدول، والتي قد تتحول من وسيلة سلمية للتعبير عن المطالب إلى أحداث تخلّف آثارًا سلبية على الأمن والاقتصاد.

ويبرز ذلك في بعض المدن الفرنسية، على خلفية تردّي الأحوال المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، وما يصاحب هذه الأوضاع من مطالب اجتماعية واقتصادية متزايدة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا، تتعالى أصوات المرشحين، ويسعى كل منهم إلى كسب أكبر قدر من التأييد الشعبي للفوز بالانتخابات. وكثيرًا ما يحاول بعض المرشحين تحميل المهاجرين غير النظاميين مسؤولية الفوضى والاضطرابات، وإثارة المخاوف من المهاجرين المسلمين والأفارقة، في توظيف انتخابي متكرر لهذه القضايا.

وحقيقة الأمر أن هذه المظاهرات جاءت استجابة لدعوات إلى الاحتجاج، شملت مطالب متعددة، من بينها توظيف المزيد من المعلمين، وتحسين ظروف الدراسة والبنية التحتية في المدارس، ومراجعة نظام القبول الجامعي، وهي مطالب يرفعها الحراك الطلابي منذ شهر، إلى جانب المطالبة بزيادة الأجور، والحد من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والسكن.

وقد شهدت الاحتجاجات التي امتدت إلى عدد من المدن الفرنسية أعمال عنف وتخريب، ألحقت أضرارًا بالممتلكات العامة والخاصة، وتسببت في خسائر اقتصادية وأمنية. وطالت الاعتداءات مئات المحال التجارية، كما تعرضت مبانٍ عامة، من بينها مقار بلديات ومحافظات، للاقتحام والتخريب، واندلعت حرائق في عدد من المنشآت، من بينها مبنى بلدية ليموج التاريخي ومركز سياحي في ليون، وترافقت هذه الأحداث مع أعمال نهب واعتداءات على الشرطة بالحجارة والألعاب النارية.

ومن يتأمل جوهر هذه المظاهرات يجد أن بدايتها ارتبطت بالتعبير السلمي عن الرأي والمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية، تتصل بحياة المواطنين والمقيمين وظروفهم المعيشية. غير أن تحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال عنف وفوضى أتاح لأطراف معادية للمهاجرين، وفي مقدمتها تيارات من اليمين المتطرف، استغلال هذه الأحداث وتحميل المهاجرين مسؤولية الانتهاكات والاضطرابات التي شهدتها البلاد.

إن التعبير السلمي عن الرأي حق مشروع، لكن الحفاظ على الأمن والممتلكات العامة والخاصة مسؤولية مشتركة، ولا يجوز أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى مبرر للعنف والتخريب، كما لا يصح استغلال تلك الأحداث للتحريض على المهاجرين أو تحميل فئات بعينها مسؤولية أزمات تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية.

إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي، شمال باريس – فرنسا.

نور الدين بن محمد طويل

إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى