كتاب الرأي

السعودية… ثقلٌ يصنع التوازن وشراكاتٌ تبني الاستقرار

ليست مكانة الدول في عالم اليوم بما تملكه من مساحة أو ثروة فحسب، بل بما تمتلكه من قدرة على التأثير، وبما تصنعه من حضور في دوائر السياسة والاقتصاد والأمن، وبما تؤديه من دور في حماية الاستقرار وصناعة المستقبل. ومن هذا المنظور، تقف المملكة العربية السعودية دولةً محوريةً يتجاوز تأثيرها حدودها الجغرافية إلى محيطها الخليجي والعربي والإسلامي، ويمتد حضورها إلى الساحة الدولية بوصفها قوةً سياسيةً واقتصاديةً ودينيةً ذات وزنٍ مؤثر.

فالمملكة لم تكن يومًا دولةً على هامش الأحداث، بل كانت شريكًا فاعلًا في صياغة كثير من المواقف والمبادرات الإقليمية والدولية. وقد أسهم ثقلها الاقتصادي ومكانتها في أسواق الطاقة، إلى جانب مكانتها الدينية بما تحتضنه من الحرمين الشريفين، في منحها حضورًا استثنائيًا ومسؤوليةً مضاعفة تجاه قضايا المنطقة والعالم الإسلامي.
ويتجلى هذا الحضور في عضوية المملكة ودورها المؤثر في مؤسسات وتجمعات دولية كبرى، من بينها منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، ومجموعة العشرين، فضلًا عن دورها التاريخي في تأسيس منظمة التعاون الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية. وهذه المواقع ليست مجرد عضويات بروتوكولية، وإنما تعكس وزن المملكة وقدرتها على الإسهام في الحوار الدولي، ودعم التنمية، وتعزيز التعاون بين الدول.

وفي السنوات الأخيرة، ازدادت الدبلوماسية السعودية نشاطًا واتساعًا، وأصبحت الرياض محطةً للحوار والوساطة وبناء الشراكات. فسياسة المملكة تنطلق من قناعة واضحة بأن أمن المنطقة وازدهارها لا يتحققان بالصراعات المفتوحة، بل بالتوازن، والحوار، والتنمية، وبناء المصالح المشتركة التي تجعل السلام خيارًا أكثر قوة واستدامة.

وفي هذا السياق جاءت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية، التي وُقعت في مكة المكرمة في أغسطس 2026، لتؤسس إطارًا للتعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك، مع التأكيد على أن غايتها دعم الأمن والسلام والاستقرار. وهي خطوة تعكس قدرة المملكة على بناء شراكات استراتيجية مع دول إسلامية كبرى، وعلى تحويل العلاقات التاريخية إلى أطر مؤسسية تخدم الأمن الجماعي وتحمي المصالح المشتركة.

إن المملكة تدرك أن قوتها لا تنفصل عن استقرار محيطها؛ فازدهار دول الشرق الأوسط، وهدوء أزماته، وتوسّع فرص التنمية فيه، كلها تصب في بناء منطقة أكثر أمنًا وقدرةً على المنافسة. ومن هنا جاءت رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمنطقة الشرق الأوسط بوصفها قادرةً على أن تصبح «أوروبا الجديدة»، وهي رؤية تنقل التفكير من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن استنزاف الموارد في الصراعات إلى توجيهها نحو الإنسان والاقتصاد والمعرفة والتنمية.

ولعل قوة المملكة الحقيقية تكمن في هذا الجمع بين الثبات والحركة: ثباتٌ على مبادئها ومصالحها الوطنية، وحركةٌ واعية نحو بناء التحالفات والشراكات، ومد الجسور، وتوسيع دوائر التعاون. فهي لا تنظر إلى قوتها باعتبارها قوةً منفردة، بل أداةً لحماية الاستقرار، ودعم التنمية، وصناعة توازن إقليمي أكثر رسوخًا.

والمملكة اليوم، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وديني، وبما تقوده من مبادرات وتحالفات وشراكات، تمضي بثقة نحو ترسيخ مكانتها دولةً محوريةً في عالم سريع التحول. نسأل الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها، وأن يكلل جهودها بالتوفيق والسداد، وأن يجعل ما تبذله من مساعٍ لبناء السلام وتعزيز الاستقرار والازدهار سببًا في مستقبلٍ أكثر أمنًا ورخاءً للمنطقة والعالم.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى