في الخامس عشر من أكتوبر الحالي أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً رئاسياً أدان فيه بأشد العبارات الهجمات الحوثية المتصاعدة على المملكة العربية السعودية، وسمّى البيان بالتاريخ الضرباتِ التي أصابت مطار الملك خالد الدولي في العاشر والحادي عشر من الشهر، فأودت بحياة ثلاثة عشر شخصاً وأصابت أكثر من ثلاثمئة، ومعها الهجمات على مطارات أخرى ومنشآت أرامكو ، ثم أكد ما يندر أن تنص عليه البيانات الدولية؛ حقَّ المملكة الأصيل في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي.
والبيان الرئاسي لا يصدر بالأغلبية، بل بتوافق الأعضاء الخمسة عشر جميعاً، فلا امتناع فيه ولا تحفّظ معلن، معنى ذلك أن موسكو وبكين وقفتا عند هذا النص في صف واحد مع واشنطن ولندن وباريس، وهما اللتان امتنعتا عن التصويت على أكثر من قرار يخص المنطقة هذا العام.
ولم تكن الرياض لتبلغ هذه اللغة لو بدأت من الصفر؛ فجزء معتبر منها كُتب قبل أكثر من أربع سنوات، في القاعة ذاتها، ففي الثامن والعشرين من فبراير 2022 اعتمد مجلس الأمن القرار 2624 تحت الفصل السابع، فجدّد نظام العقوبات على اليمن، ووصف جماعة الحوثيين للمرة الأولى بأنها “جماعة إرهابية”، ومدّ حظر السلاح ليشمل الجماعة بأسرها بعد أن كان مقصوراً على بعض قادتها، يومها بدا القرار مكسباً سياسياً في لحظة غضب دولي ، أما اليوم، والصواريخ تُطلق على صالات المسافرين، فقد صار رصيداً يُصرف، وبيان أكتوبر أحدث شواهد ذلك.
وأول ما يمنحه هذا الرصيد هو الإطار، فالفرق كبير بين أن تُقدَّم المواجهة نزاعاً بين دولة وطرف يمني داخلي، وأن تُقدَّم دفاعاً عن النفس في وجه جماعة وصفها مجلس الأمن نفسه بالإرهاب، وأدان هجماتها العابرة للحدود على المدنيين، وهذه ليست صياغة إعلامية تصنعها الرياض، بل لغة أقرّتها الهيئة الدولية الوحيدة التي تملك سلطة الإلزام، وقد جاء البيان الأخير فأكمل الصورة حين نصّ على حق الدفاع عن النفس، فلم تعد المملكة مطالبة بإثبات أن ما تفعله ردٌّ على عدوان.
وثاني ما يمنحه أن حظر السلاح الشامل يحوّل كل صاروخ يسقط على مدينة سعودية إلى قرينة على انتهاك قرار ملزم، فالجماعة لا تصنع منظومات بهذا المدى وهذه الدقة من فراغ، وكل قطعة تصلها تضع مورّدها في مواجهة مع إرادة المجلس، لا مع إرادة المملكة وحدها، وهنا يتحول ملف الدعم الخارجي، وفي مقدمته الدور الإيراني وغيرها من الدول، من اتهام سياسي إلى مسألة امتثال دولي، ولم يكن مصادفة أن يعود البيان الأخير إلى التشديد على منع وصول السلاح إلى الحوثيين .
والأمر الثالث أن القرار مهّد لإجماع لم يتأخر. فقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة الهجوم على مطار الملك خالد، ووصف المبعوث الأممي إلى اليمن الهجمات بأنها تصعيد خطير يهدد أمن الإقليم، ثم جاء البيان الرئاسي بتوافق المجلس كله، وتوالت بيانات التضامن من العواصم العربية والإسلامية وغيرها. وحين تتطابق لغة المنظمة الدولية مع لغة المتضرر، يصير الانتقال من الإدانة إلى الإجراء مسألة توقيت لا مسألة مبدأ.
ومن المفارقات أن الدول الأربع التي امتنعت عن التصويت عام 2022 فعلت ذلك خشية الأثر الإنساني لوصم الجماعة بالإرهاب. واليوم انقلب السؤال الإنساني على نفسه: من الذي يهدد المدنيين؟ المسافر في صالة مطار، والعامل في منشأة طاقة، والعائلة في حيّ سكني؛ هؤلاء هم من تنتصر لهم الحجة الإنسانية إذا أُعيدت إلى وجهها الصحيح.
غير أن الرصيد، مهما عظُم، لا يعمل وحده. قال الشاعر ابو الطيب المتنبي: “الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ … هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني”، والبيت ليس دعوة إلى التردد، بل ترتيب للأولويات؛ فالعمليات العسكرية تعالج الخطر القائم، لكن مآلات الحروب تُحسم في قاعات التفاوض والمجالس الدولية، وما تكسبه الميادين قد تبدّده غرفٌ لم يُحسن أصحابها حضورها.
وفي تجربة السنوات الماضية درس واضح: الزخم العسكري الذي لا يرافقه غطاء دولي متين يتحول مع الوقت إلى عبء، تُستنزف فيه الصورة قبل الموارد، ويُحاسَب فيه صاحب الحق على كلفة الدفاع عن حقه.
لقد استوعبت المملكة هذا الدرس، فاختارت طريق التهدئة وفتحت أبواب الحوار ومدّت يدها لجيرانها في الإقليم، وهذا السجل ذاته هو اليوم أقوى حججها؛ فحين قال مندوبها في مجلس الأمن إن الرياض وضعت السلام أولاً وإن الجماعة اختارت التصعيد، كان يستند إلى وقائع يعرفها الجميع.
وحسن صرف هذا الرصيد يقتضي أربع مهام. أولاها تحويل التوافق إلى نص ملزم، فالبيان الرئاسي، على وزنه السياسي، لا يرقى إلى قوة القرار، والقرار 2624 وصف الجماعة بالإرهاب دون أن يُتبع الوصف بأدوات كافية وأمام المجلس بعد أسابيع استحقاق تجديد نظام عقوبات اليمن الذي ينتهي في الرابع عشر من نوفمبر، وهي فرصة لتشديد الحظر وتوسيع الإدراج ليطال شبكات التهريب والتمويل والتوريد لا الأفراد وحدهم والطريق إلى ذلك يمر بموسكو وبكين، وقد قبلتا لغة البيان الأخير، وللرياض معهما رصيد بنته بصبر في ملفات الطاقة والوساطة والاقتصاد، وهذه لحظة استثماره.
والمهمة الثانية توسيع دائرة المتضررين في الوعي الدولي، فالهجوم على مطار دولي تهديد لكل شركة طيران تهبط فيه، ولكل دولة يحمل مواطنوها تذاكر إليه، ولمنظومة الطيران المدني التي تقوم على افتراض أن المطارات خارج دائرة النار، ولهذه المنظومة مرجعها في منظمة الطيران المدني الدولي واتفاقية شيكاغو. ومثل ذلك يقال عن البحر الأحمر وباب المندب حيث تمر تجارة أوروبا وآسيا. وحين يرى العالم أن أمن الرياض جزء من أمن رحلاته وسلاسل إمداده، يتحول التضامن من بيانات إلى التزامات.
والمهمة الثالثة الإمساك بالملف الإنساني. فالمملكة من أكبر المانحين لليمن، واستمرار حضور مركز الملك سلمان للإغاثة في زمن المواجهة يحفظ التمييز بين شعب يمني تقف المملكة معه، وجماعة تختطف قراره. وهذا التمييز هو ما يحرم الخصم من الاحتماء بمعاناة اليمنيين.
والمهمة الرابعة إبقاء الأفق السياسي مفتوحاً، فالحرب في المنظور السعودي وسيلة لحماية الأرض والإنسان لا غاية في ذاتها. والتمسك بمسار التسوية تحت رعاية الأمم المتحدة، ودعم الحكومة الشرعية بوصفها الطرف المعترف به دولياً، يقطع الطريق على من يريد تصوير المملكة طرفاً يبحث عن الحسم بأي ثمن.
ويزيد هذه المهام إلحاحاً أن المملكة تستعد لاستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، وتفتح أبوابها للاستثمار والسياحة والمؤتمرات بوتيرة لم تعرفها من قبل، فأمن مطاراتها ومدنها لم يعد شأناً داخلياً، بل شأناً يعني كل من اختار أن يأتي إليها، وما بين قرار فبراير 2022 وبيان أكتوبر 2026 خطٌّ واحد يمتد في قاعة واحدة، وكلاهما نقطة ارتكاز لا نهاية طريق. وبين قوةٍ تُلزم الخصم وقوةٍ تُقنع العالم، تحتاج المملكة إلى الاثنتين معاً؛ الأولى تحمي الحاضر، والثانية تصنع ما بعده.
0

