المقالات

جون هوفر وآراء ابن تيمية في العدل الإلهي

في عام 2007م، وبعد سنوات من البحث والدراسة، قدّم جون هوفر كتابه «نظرية العدل الإلهي عند شيخ الإسلام ابن تيمية»، في محاولة للإجابة عن التساؤل الدائر في النفس البشرية: ما جدوى العيش في عالم محاط بالظلم والشر؟!

والحقيقة أن من أهم منطلقات البحث العلمي ودوافعه تلك الأسئلة الحائرة في النفس، التي تدفع الباحث إلى محاولة الإجابة عنها، أو التوصل إلى حل لفك رموزها وسبر أغوارها.

ويمثل الإمام ابن تيمية أحد أكبر علماء الإسلام الداعين إلى التأمل والتفكير وتوسيع آفاق العقول، من خلال آرائه وأطروحاته الدقيقة. وقد دفعت هذه الآراء الكاتب هوفر إلى مناقشة العدل الإلهي عند ابن تيمية، حيث حلّل مسألة العدل الإلهي وما يتعلق بها من مفاهيم فلسفية، وبعض التعبيرات العميقة، مثل: الخير والشر، والخلق والأمر، وأفعال العباد، والجبر والاختيار.

وقد عمل هوفر على رصد أوجه الشبه والاختلاف بين آراء الإمام ابن تيمية وآراء بعض المفكرين والفلاسفة، مثل ابن سينا والغزالي وابن عربي وفخر الدين الرازي. ورجّح الكاتب آراء ابن تيمية في المفاهيم المطروحة؛ نظرًا إلى قوتها وقدرتها الفائقة على إقناع العقل.

ونظرًا إلى غزارة علم الإمام، فقد اتسم طرحه، كما وصفه هوفر، بالذكاء الحاد والربط بين آرائه على نحو مذهل، مما جعل تأثيره قويًا في كثيرين، وبخاصة في العصر الحديث.

واضطر هوفر إلى استخدام مصطلح «الثيوديسيا» Theodicy للتعبير عن العدل الإلهي في فلسفة الدين الغربية الحديثة، ومحاولة تفسير سبب خلق الله للخير والشر.

وفي هذا الصدد، استنتج هوفر، كغيره من المفكرين، مثل ديفيد هيوم وغيره، أن حجم الشر والآلام في العالم يجعل الاعتقاد بإله عادل وخير مطلق أمرًا يصعب إثباته بالمنطق التجريبي المحض ـ تعالى الله عن هذا الاعتقاد ـ. فيما ذهب آخرون إلى أن العدالة الإلهية قد تتجاوز حدود إدراك العقل البشري المحدود، مما يجعله عاجزًا عن فهم الصورة الكاملة لتدبير الكون.

والمعنى العام الذي استنتجه هوفر أن العدالة الإلهية يصعب إخضاعها للعقل الفلسفي المجرد؛ إذ ستظهر التناقضات فورًا، مما يستدعي طلب آراء تستند إلى الأدلة والشواهد العقدية.

وعرض هوفر بعض آراء ابن تيمية في العدل الإلهي، حيث يرى الإمام ابن تيمية أن العدل الإلهي قاعدة كلية، تتضمن أن أفعال الله تعالى كلها حكمة وعدل وخير محض، فلا يظلم سبحانه أحدًا مثقال ذرة، وأنه لا يوجد في خلق الله ولا في شرعه عبث أو ظلم.

ومن أصول العدل الإلهي عند ابن تيمية أن أفعال الله منزّهة عن الظلم، وأن كل أفعال الرب ومخلوقاته قائمة على العدل والحكمة. ولذلك يجب تعليل الأفعال بالحكمة؛ فالله يفعل لحِكَم وغايات محمودة يعلمها، وليست أفعاله خالية من المعنى والقصد والحكمة.

وما يصيب الإنسان من بلاء أو محنة يدخل تحت حكمة بالغة وعدل تام، وليس مجرد إرادة بلا غاية.

وبالجملة، فإن ابن تيمية يرى أن حكمة الله في خلق الشر لا يمكن معرفتها بالعقل وحده، وما يهم في الأمر هو الإيمان بأن لله حكمة في كل ما يفعله. ورغم ذلك، فإن للشر بعض المنافع التربوية أو الدينية للبشر، كالعبرة والعظة والردع، والرجوع إلى الله والتذلل إليه، وما شابه ذلك.

وبذلك، فإن ابن تيمية يضع آراءه في العدل الإلهي في إطار رؤية تفاؤلية متسقة، تشكل دليلًا على الإيمان العميق بربوبية الخالق جل وعلا، وحاكميته المطلقة على الكون ومن فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى