كتاب الرأي

الوطن… دَيْنُ الوفاء ومسيرة البناء

حبُّ الوطن ليس عاطفةً عابرةً تُحرّكها المناسبات، ولا كلماتٍ جميلةً تتردّد على الألسن فحسب؛ بل هو انتماءٌ راسخ، ووفاءٌ يتجلّى في المواقف، ومسؤوليةٌ تُترجَم إلى عملٍ يحفظ المكتسبات ويصون النعم. فالأوطان لا تُبنى بالمشاعر وحدها، وإنما تنهض بسواعد أبنائها، وإخلاصهم، وحرصهم على أن تبقى آمنةً مزدهرةً وقادرةً على مواصلة مسيرتها.

إن العلاقة الفطرية بين الإنسان ووطنه علاقةٌ تتجاوز المشاعر العابرة والأحاسيس المستعجلة؛ فهي ليست علاقة حبٍّ وإجلالٍ فحسب، بل هي أيضاً علاقة التزامٍ وتفانٍ وعمل. ولذلك قال أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:

وللأوطانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ … يدٌ سلفتْ ودَيْنٌ مستحقُّ
نعم، إنّه دَيْنٌ مستحقٌّ لا بدّ من الوفاء به. ومن الوفاء للأوطان أن يلهج اللسان بحبّها، ويجري القلم بالتغنّي بها، وأن ينهض الإنسان بما أُسند إليه من مسؤوليات خير قيام. ومن الوفاء أيضاً أن يحافظ على مصالح الوطن وثرواته وخيراته، وأن يقدّم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة.

لقد أكرمنا الله في وطننا، المملكة العربية السعودية، بأن جمع لنا الدين والدنيا؛ فجعل بلادنا مهدَ الحرمين الشريفين، وموطنَ أداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وجعل قيامها قائماً على تلاحمٍ تاريخيٍّ وثيق بين القيادة والشعب، في رباطٍ متينٍ نسأل الله أن يديمه ويحفظه.
ثم جعلها سبحانه أرضاً للخيرات والثروات والبركات، وأجرى عليها نعمه ظاهرةً وباطنة. وشكر هذه النعم يقتضي منا صونها والمحافظة عليها، والقيام بما تفرضه علينا من واجبات تجاه ديننا ووطننا.

أما صيانة الدين فتكون بالالتزام بشرع الله في شؤون الحياة، وبالمحافظة على التلاحم بين القيادة والشعب، والحذر من كل فكرٍ أو دعوةٍ تسعى إلى تقويض هذا التناسق الجميل. وأما صيانة الدنيا فتكون بترشيد استخدام الثروات، وحسن استثمارها، وتوظيفها التوظيف الأمثل في خدمة البلاد والعباد؛ مع دوام الشكر لله جلّ جلاله على ما أنعم به علينا.

وصدق الشاعر حين قال:
بلادٌ ألفناها على كلِّ حالةٍ … وقد يُؤلَفُ الشيءُ الذي ليس بالحسنِ
ونستعذبُ الأرضَ التي لا هواءَ بها … ولا ماؤها عذبٌ، ولكنّها وطنُ
وفي مثل هذه الأيام الغرّاء، نستذكر سيرة الأجداد المؤسسين، ونستحضر جهود موحّد هذه البلاد، الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله، ورجاله الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل تأسيس كيانٍ راسخ، غدا بحمد الله حاضراً في مسيرة الحضارة الإنسانية، ومكانةً مؤثرةً بين الأمم.

كما نستذكر تاريخاً مجيداً حافلاً بالإنجازات، تعاقب على مواصلة بنائه الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، رحمهم الله جميعاً، حتى امتدت المسيرة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، نحو آفاقٍ أرحب من التنمية والطموح.

إن الوفاء للوطن لا يكتمل بمجرد الاعتزاز بتاريخه أو التغنّي بأمجاده؛ بل يكتمل حين يتحوّل هذا الاعتزاز إلى سلوكٍ مسؤول، وعملٍ مخلص، ومحافظةٍ على وحدته ومقدراته، وإسهامٍ صادق في تقدّمه. فالوطن أمانةٌ في أعناق أبنائه، وحقّه عليهم أن يصونوا منجزاته، ويضيفوا إلى تاريخه صفحاتٍ جديدةً من البناء والعطاء.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في وطننا، وأن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ قيادتنا، ويجزي ولاة أمورنا خير الجزاء، وأن يوفقنا جميعاً إلى أداء حق الوطن والوفاء بدَيْنه، قولاً وعملاً.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أجدت معالى أخى الفاضل د. بكرى عساس بكلمات معبّرة عن عمق الحب والولاء لوطن يستحق كل عطاء ووفاء بقيادته الحكيمة الرشيده . أدام الله علينا الأمن والإستقرار ونصر بلادنا على أعدائها فى كل مكان وسدد لجنود الوطن رميهم وحسبنا الله ونعم الوكيل….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى