صادفني اليوم عمل موسيقي لمقدمة كانت لها شهرة واسعة في زمنها، أظنها تعود إلى الثمانينيات. كان العمل مميزًا إلى درجة جعلتني أبحث عن صاحبه، فاستمعت إلى عمل آخر له، ووجدت المستوى نفسه من الإبداع. ثم تتبعت شيئًا من مسيرته، فوجدته قد غامر بتقديم لون موسيقي مختلف، يبدو أنه لم يحقق له النجاح الذي اعتاده، ثم توقفت مسيرته.
أعادني ذلك إلى الثمانينيات والتسعينيات، إلى مرحلة أعتقد أنها كانت من أصعب المراحل التي يمكن أن يصنع فيها الإنسان لنفسه اسمًا ومكانة. لم تكن وسائل الظهور متاحة كما هي اليوم، وكانت المنافسة بين أسماء كبيرة، لكل منها موهبتها وجمهورها وتاريخها. ولذلك لم يكن الوصول إلى القمة أمرًا هيّنًا، ومن استطاع أن يحجز لنفسه مكانًا بين أولئك الكبار، فقد امتلك بالفعل شيئًا يستحق الالتفات.
ولست هنا أقلل من مواهب هذا الجيل، ففي كل زمن مبدعوه، لكن الفارق أن وسائل الوصول تغيرت، وأصبح الانتشار أسرع، بينما كان الوصول إلى الجمهور آنذاك يتطلب مسارًا أطول وفرصًا أقل، وكانت القدرة على الاستمرار مرهونة بما يقدمه المبدع من أعمال تحفظ له مكانته بين منافسيه.
ودورة الحياة ليست حكرًا على المشروعات والمنشآت والمنتجات؛ بل تمتد إلى النجومية والشهرة والمكانة، فلكل منها مراحل تبدأ بالظهور، ثم النمو، ثم بلوغ الذروة، وبعدها يأتي الاختبار الأصعب: القدرة على الاستمرار، أو مواجهة التراجع. غير أن بلوغ الذروة لا يعني بالضرورة بداية الانحدار؛ فهناك من استطاع أن يجدد أدواته، ويواكب التحولات، ويحافظ على مكانته عقودًا، بينما عجز آخرون عن المحافظة على المستوى الذي أوصلهم إليها.
فالنجومية مسؤولية ثقيلة؛ والجمهور الذي أحبك لأنك مميز لن يتوقف عن مقارنتك بأفضل ما قدمت، وقد لا يغفر لك عملًا أقل من سابقه، حتى وإن كان جيدًا في نظر غيره. وكل نجاح جديد يرفع سقف التوقعات، حتى تجد نفسك في منافسة مستمرة مع تاريخك، مطالبًا بأن تقدم ما يوازيه أو يتجاوزه، وكأن ما حققته بالأمس لم يعد كافيًا ليضمن لك مكانتك اليوم.
ومع ذلك، تبقى المغامرة حقًا للمبدع، وليس كل تغيير إخفاقًا، ولا كل تراجع نهاية، فقد تكون التجربة التي لم تنجح بداية لاكتشاف جديد، وقد يعود المبدع بعد سنوات بعمل يعيد إليه مكانته. لكن المؤكد أن النجاح السابق لا يمنح صاحبه ضمانًا دائمًا للنجاح اللاحق.
وكلما عدت إلى أعمال الثمانينيات والتسعينيات، ازددت اقتناعًا بأن ذلك الجيل كان استثنائيًا بحق. أسماء صنعت مكانتها في ظروف لم تكن تمنح أحدًا طريقًا مختصرًا إلى الشهرة، وأعمال بقيت حاضرة بعد عقود، حتى إنك قد تنسى صاحب العمل، لكنك لا تنسى ما صنعه.
فليس أعظم من أن تبلغ القمة، إلا أن يبقى اسمك فيها حتى بعد أن تغادرها..

