ثمة أفراح لا تمر بالقلب، بل تقيم فيه، ولا تنتهي بانتهاء لحظتها؛ لأنها منذ البدء لم تكن فرحًا بنتيجة، بل فرحًا بوطن.
وللمنتخب السعودي مكانٌ لا تصنعه كرة القدم وحدها؛ ففي كل مرة يرتدي فيها لاعبوه شعار المملكة، يصبح الانتصار شأنًا يعني وطنًا بأكمله. هناك اسمٌ نمثّله جميعًا، ورايةٌ ننتمي إليها جميعًا، وفرحٌ إذا جاء باسم السعودية اتسع لنا جميعًا.
فالمنتخب حين يمثل المملكة لا يحمل طموح الفوز وحده، بل يحمل اسم بلادٍ لها في نفوس أبنائها من المكانة ما يجعل كل ظهور لها موضع فخر، وكل انتصار باسمها فرحًا يتجاوز حدود الميدان. ولهذا تتعلق القلوب بالأخضر؛ لأن خلف القميص وطنًا، وخلف الشعار تاريخًا، وخلف اللاعبين شعبًا ينتظر أن يرى اسم بلاده حيث يليق به.
وحين اكتمل الانتصار بالكأس، لم يكن بريق الذهب وحده ما أسر العيون؛ كان الأجمل اسم السعودية يتقدّم، ورايتها تعلو، ورجال الأخضر يقفون على منصة التتويج وقد أدّوا للشعار حقه. لحظةٌ تجاوزت حدود الفوز؛ لأن ما يُكتب باسم الوطن لا يبقى في سجل البطولة وحده، بل يبقى في وجدان أبنائه.
وما أعزّ السعودية حين يأتي اسمها مقرونًا بالنصر، وما أهيب رايتها حين تعلو في ميادين المجد. اسمٌ لا يمر على أسماعنا كسائر الأسماء؛ نستشعر معه تاريخًا صنعته عزائم الرجال، وحاضرًا تتوالى منجزاته، ومستقبلًا يمضي إليه وطن عرف ما يريد، ثم جعل من الطموح طريقًا ومن العمل سبيلًا ومن الإنجاز عادة.
وفي ليلة التتويج، لم تكن الفرحة حبيسة المدرجات؛ امتدت إلى البيوت والشوارع والمجالس، وتساوت أمامها الأعمار، واجتمعت عليها القلوب. أبٌ يترقب، وأمّ ترفع كفيها بالدعاء، وطفل يرتدي قميص المنتخب ويرى في أبطاله أولى صور الفخر بوطنه. فحين يكون المنتصر هو الوطن، يصبح لكل واحد منا نصيب من الفرح.
ويحسب لرجال الأخضر أنهم عرفوا قدر ما يحملون؛ فشعار المملكة على صدورهم ليس امتيازًا فحسب، بل مسؤولية، وتمثيل السعودية ليس حضورًا في ميدان، بل عهدٌ بأن يُبذل من أجل اسمها كل ما يستطاع. وقد بذلوا حتى بلغوا، وصبروا حتى ظفروا، ثم وقفوا في النهاية حيث تمنينا لهم أن يقفوا: أبطالًا يحملون الكأس باسم السعودية.
ستحفظ سجلات الرياضة النتيجة، وستوثق البطولة أسماء أبطالها، وسيبقى الكأس شاهدًا على الإنجاز؛ لحظة ارتفعت فيها الراية، وتعالى فيها اسم المملكة، وشعر ملايين السعوديين في آنٍ واحد أن الفرح حين يأتي من أجل الوطن لا يشبهه فرح.
ولأنها السعودية، فإن الإنجاز لا يغلق باب الطموح، بل يفتحه على ما هو أبعد. هكذا عرفنا هذا الوطن؛ كلما بلغ منزلةً جعل منها طريقًا إلى أعلى، وكلما أضاف إلى تاريخه مجدًا، أبقى في الغد متسعًا لمجد جديد.
فشكرًا لرجال الأخضر الذين أدّوا للشعار حقه، ومبارك لهم ما صنعوا، ومبارك لشعبٍ رأى رايته تعلو فامتلأ بها فخرًا.
ومبارك لوطنٍ لم يقصد شيئًا قطّ إلا ناله.

