كتاب الرأي

مؤلِّفٌ لا يؤلِّف.. وباحثٌ لا يَبحث

تقتضي الأمانة العلمية
أن يتناسب اللقب مع الإنجاز، وأن يعكس التأليف جهد صاحبه، وأن تقوم المكانة الأكاديمية على المعرفة والاستحقاق. فالعلم مسؤولية قبل أن يكون لقبًا، والتأليف أمانة قبل أن يكون وجاهة، والبحث ثمرة قراءة وتمحيص وتحليل. ومن هنا، فإن صيانة المصداقية العلمية مسؤولية مشتركة بين الباحثين والمؤسسات والمجتمع.

وتبرز الحاجة إلى معالجة بعض الممارسات التي قد تتضمن إعداد الكتب والبحوث بأسماء أشخاص لم يشاركوا في بنائها الفكري مشاركة جوهرية، ثم تقديمها باعتبارها إنتاجًا شخصيًّا. فمثل هذه الممارسات تثير تساؤلات أخلاقية حول أصالة العمل، وحقوق المؤلفين، وعدالة الاستحقاق، وتستدعي التحقق الموضوعي والمعالجة المؤسسية المناسبة.

ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، أصبحت أدوات إنتاج النصوص أكثر تطورًا وسهولة. غير أن التقنية، مهما بلغت قدراتها، لا تعفي الباحث من مسؤوليته عن المحتوى وصحة المعلومات وأصالة الأفكار. وتظل الاستعانة بالخبراء والمراجعين والأدوات الرقمية مشروعة حين تدعم جهد الباحث، وتحترم قواعد الإفصاح والنسبة، ولا تحل محل مساهمته العلمية.

وتزداد أهمية هذه المسألة في الرسائل الجامعية والأبحاث المرتبطة بالدرجات والترقيات؛ لما لها من أثر في عدالة الفرص ومصداقية المؤسسات. ولذلك، أقترح إنشاء جهة رسمية مستقلة ومتخصصة في النزاهة العلمية، تتولى استقبال البلاغات، وفحص أصالة الإنتاج العلمي، والتحقق من حالات الانتحال وشراء البحوث، وطلب الوثائق اللازمة، والتنسيق مع الجامعات والجهات المختصة، وإحالة المخالفات المثبتة لاتخاذ الإجراءات النظامية المناسبة، مع ضمان السرية وحق الدفاع والعدالة في التحقيق.

إن تعزيز النزاهة لا يتحقق بالتوعية وحدها، بل يحتاج إلى آليات رقابية واضحة ومحاسبة متوازنة تطبق على الجميع وفق معايير معلنة، دون محاباة أو تشهير.

فالمقصود ليس الانتقاص من الأشخاص، بل الارتقاء بالممارسة العلمية، وصون حقوق المجتهدين، وتعزيز الثقة بالمؤسسات. وحين تتكامل الأمانة الفردية مع الرقابة المؤسسية العادلة، تصبح الألقاب تعبيرًا عن استحقاق حقيقي، ويظل الإنجاز الأصيل أساس التقدير والاحترام

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى