الدكتوراه في أصل معناها درجة علمية، لا ورقة تُعلّق على الجدار، ولا زينة تُضاف إلى الاسم، ولا بطاقة عبور إلى صدر المجالس. إنها اعتراف أكاديمي بأن صاحبها بلغ في مجال تخصصه مستوى من المعرفة والبحث يؤهله للمساهمة في إنتاج العلم وتعليمه. وكلمة «دكتور» تعود إلى أصل لاتيني متصل بالتعليم؛ أي إن اللقب، في معناه الأكاديمي، أقرب إلى مسؤولية المعلم منه إلى امتياز صاحب الوجاهة.
لكن الألقاب، مثل كثير من الأشياء الجميلة، لا تسلم من سوء الاستخدام. فما إن ارتبطت الدكتوراه بالمكانة الاجتماعية حتى ظهر من يسعى إلى لقبها أكثر مما يسعى إلى علمها. صار بعضهم يريد كلمة «دكتور» أمام اسمه، لا ما ينبغي أن يكون وراءها من بحث ومعرفة وتدريس. وهنا بدأ اللقب يبتعد عن رسالته، ويتحوّل عند بعض الناس إلى قطعة ديكور اجتماعي؛ تلمع في بطاقة التعريف، ولا نعرف ما الذي تسنده من علم.
ومن هذا الباب دخلت صور شتى من العبث: جامعات وهمية، وشهادات مزورة، ومؤسسات لا تملك من التأهيل العلمي إلا موقعًا إلكترونيًا أنيقًا ووعودًا سريعة. ثم جاءت محاولات الدول والجهات الأكاديمية لضبط منح الدكتوراه، والاعتراف بالجامعات وفق معايير علمية. غير أن التنظيم، مهما اشتد، لا يمنع كل من يبحث عن الطريق الأقصر من التفتيش عن ثغرة؛ فهناك من يريد أن يدخل من الباب، لكن بشرط ألا يمر بما وراء الباب من جهد.
وظهرت مكاتب وأفراد يعرضون خدماتهم على الراغبين في الدكتوراه، حتى صار بعضهم يكتب عن صاحب الرسالة، وربما كتب الرسالة عنه، ثم يترك له مهمة الحضور في المناقشة والتقاط الصورة. وهكذا يحصل المرء على لقب يفترض أن يشهد له بالبحث، بينما كان البحث شاهدًا على غيابه. لا عجب إذن أن يختلط على الناس الفرق بين من أنجز أطروحة علمية بجهده، ومن أنجز معاملة مكتبية طويلة، ثم خرج منها بلقب قصير.
وفي هذا السياق تبرز أهمية التحقق من الجامعة والبرنامج ومعايير الاعتراف، كما تبرز قيمة التصنيفات العالمية بوصفها مؤشرًا من مؤشرات مستوى الجامعات. لكنها تظل مؤشرًا، لا صكًا يضمن وحده جودة كل برنامج أو نزاهة كل طالب. فالثقة العلمية لا تُمنح بالاسم وحده، ولا بالتصنيف وحده، بل بما يُقدَّم من بحث أصيل، وما يلتزم به الباحث من أمانة، وما يثبت من كفاءة علمية. ومع ذلك، فإن تجاهل اسم الجامعة تمامًا، والاكتفاء بكتابة «دكتور» في وسائل التواصل، لا يزيد اللقب هيبة؛ بل يترك سؤالًا مشروعًا معلّقًا: دكتور من أين؟ وفي أي مجال؟ وبأي عمل علمي؟
لقد أسهم هذا الغموض في أن يفقد اللقب شيئًا من قيمته لدى الناس. وبدل أن يُسأل صاحبه عن تخصصه وأبحاثه، صار يُسأل أحيانًا عن صدق اللقب نفسه. ثم جاءت موجة السخرية، فصار بعض من لم يحصلوا على الدكتوراه يطلقون أحكامًا عامة على حملة اللقب، كأن خلل بعض الحاصلين عليه دليل على خلل الدرجة كلها. وهذه طريقة مريحة في الجدل: نأخذ نموذجًا سيئًا، ثم نعمّمه على الجميع، وننسى أن سوء استخدام الشيء لا يثبت فساد الشيء في أصله.
ومن حجج السخرية أن بعض المهن، كالصحافة والمحاماة، لا تحتاج بالضرورة إلى الدكتوراه. وهذا صحيح من حيث إن المهنة العملية لا تُمارس بمجرد حمل درجة أكاديمية. لكن صحة هذه الملاحظة لا تنفي وظيفة الدكتوراه ولا تنتقص منها. فالدكتور في القانون ليس مطلوبًا منه أن ينافس المحامي في قاعة المحكمة، كما أن أستاذ الصحافة ليس مطلوبًا منه أن ينافس الصحفي في الميدان. مهمة الأستاذ أن يعلّم، ويبحث، ويؤهل من يمارسون المهنة بكفاءة؛ ومهمة المحامي أن يترافع، والصحفي أن يكتب ويحقق، والمهندس أن يصمم وينفذ.
أستاذ الهندسة لا ينجح حين يزاحم طلابه على موقع العمل، بل حين يخرّج مهندسين قادرين على الإنتاج وصناعة الحياة. وأستاذ الصحافة لا تُقاس قيمته بعدد الأخبار التي يسبق بها الصحفيين، بل بما يقدمه من معرفة وتدريب يرفع مستوى الصحافة. نجاح الدكتور الحقيقي ليس في أن يفعل كل شيء بنفسه، بل في أن يُحسن إعداد من يستطيعون فعله على الوجه الأفضل.
أما أن يتحول اللقب إلى موضع خجل، فذلك وجه آخر من المبالغة. فبعض المتقاعدين الذين حملوا لقب الدكتور لعقود، ورضوا به حين كان يضيف إلى مكانتهم في العمل الأكاديمي، صاروا بعد التقاعد يدعون إلى التخلي عنه، وكأن اللقب كان تهمة مؤجلة اكتشفوها عند تسليم المكتب. اللقب حق علمي لمن استحقه، وليس عقد ولاء لمؤسسة أو وظيفة ينتهي بانتهاء الخدمة. وقد يتغير استعماله بحسب السياق، لكن الدعوة إلى محوه بالجملة لا تجعل صاحبه أكثر تواضعًا بالضرورة؛ أحيانًا تجعل الموقف يبدو كأنه مراجعة متأخرة لما كان نافعًا في حينه.
والأطرف أن بعض الداعين إلى نبذ لقب «الدكتور» يصرّون على تقديم ألقاب أخرى، فيقال: الشيخ فلان، أو صاحب الفضيلة، أو الأستاذ الكبير، ثم يُستنكر أن يسبق اسم الأكاديمي حرفان يعرّفان بدرجته. كأن المشكلة ليست في الألقاب نفسها، بل في اللقب الذي يحمله الآخرون. يطلب من الدكتور أن يتنازل عن لقبه تواضعًا، فيما يحتفظ هو بلقبه كاملًا، مع أن التواضع ـ إن كان هو المقصود ـ لا يبدأ من أسماء الآخرين.
لسنا بحاجة إلى تقديس الدكتوراه، ولا إلى توزيعها على من لا يستحقها، ولا إلى تحويلها إلى ميزان وحيد لقيمة الإنسان. لكننا لسنا بحاجة أيضًا إلى ازدرائها بسبب من أساء إليها، أو إلى مطالبة أصحابها بإخفائها إرضاءً لمن يضيق بها. الواجب أن نفرّق بين الدرجة العلمية ومنتحلها، وبين الأستاذ والمهني، وبين اللقب الذي يسنده علم وعمل، واللقب الذي لا يسنده سوى صورة شخصية وخط عريض.
فالدكتوراه لا تجعل صاحبها عالمًا بمجرد نطقها، كما أن السخرية منها لا تجعل الساخر ناقدًا. وبين هذين الطرفين يبقى المعيار الأعدل: علمٌ يُنتج، وبحثٌ يُحترم، وتعليمٌ يترك أثرًا. أما الألقاب، فليأخذ كل امرئ منها ما استحق، وليدع للعلم أن يقرر قيمتها.






