المقالات

أضف لونًا جديدًا إلى شجرة العائلة

كثيرًا ما يسألني الأزواج المقبلون على الزواج: «هل زواج الأقارب خطر دائمًا؟» والإجابة ليست بهذه البساطة، فالأمر يتعلق بجينات نحملها من دون أن نشعر. لا يرث أبناؤنا ملامحنا فقط، بل قد يرثون أيضًا بعض التغيرات الجينية التي نحملها. بعض هذه التغيرات لا يسبب أي مشكلة عندما يكون موجودًا بنسخة واحدة، لكنه قد يؤدي إلى مرض وراثي إذا ورث الطفل نسختين تحملان التغير الجيني المسبب للمرض؛ واحدة من الأب وأخرى من الأم.
فلنتخيل معًا أن لكل عائلة لونًا وراثيًا يميزها؛ فعائلتي تحمل اللون الأخضر، وعائلتك تحمل اللون الأزرق، وهكذا. وكما نرى التنوع في الطبيعة والنباتات والحيوانات والبشر، يوجد أيضًا تنوع وراثي بين العائلات. والمقصود هنا هو الاختلاف في الصفات والبصمة الجينية التي نرثها من آبائنا وأسلافنا، ثم ننقل جزءًا منها إلى أبنائنا.
داخل كل عائلة صفات جميلة نعتز بها، وقد توجد أيضًا بعض الجينات المتنحية الصامتة التي تنتقل عبر الأجيال من دون أن تظهر. وعندما يتزوج شخصان من العائلة نفسها، ترتفع احتمالية أن يكونا حاملين للتغير الجيني المتنحي ذاته، ولا سيما إذا تكرر زواج الأقارب عبر أجيال متتابعة. عندها قد تظهر بعض الأمراض الوراثية لدى الأبناء، وقد تتكرر داخل الأسرة أو القبيلة.
من هنا تأتي فكرة إضافة لون جديد إلى شجرة العائلة. فكلما اتسعت دائرة الاختيار، ازداد التنوع الوراثي، وانخفضت احتمالية اجتماع التغيرات الجينية المتنحية نفسها لدى الأبناء. وهذا لا يعني أن الزواج من خارج العائلة يمنع جميع الأمراض الوراثية، لكنه قد يقلل خطر بعض الأمراض المتنحية المرتبطة بتكرار الزواج داخل الدائرة العائلية الضيقة.
اختيار شريك الحياة من أهم القرارات التي نتخذها؛ لأنه لا يؤثر في الزوجين فقط، بل يمتد أثره إلى الأبناء والأسرة كلها. لذلك فإن توسيع دائرة الاختيار ليس انتقاصًا من العائلة أو هويتها، ولا تخليًا عن العادات أو الروابط الاجتماعية، وإنما خطوة واعية نحو مستقبل أكثر صحة.
وإذا كان الزواج من الأقارب خيارًا شخصيًا أو عائليًا، فليكن العلم شريكًا في القرار.
يبدأ ذلك بإجراء الفحوص الوراثية المناسبة، ثم الحصول على استشارة وراثية تشرح النتائج واحتمالات انتقال الأمراض إلى الأبناء بوضوح. فالفحص لا يهدف إلى اتخاذ القرار بدلًا عن الزوجين، وإنما يمنحهما المعرفة اللازمة حتى يكون اختيارهما مبنيًا على الوعي لا على التخمين.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
ومن القيم الجميلة التي تلهمنا بها هذه الآية توسيع دوائر التعارف بين الناس وتقدير التنوع بينهم. وهذا التعارف يثري المجتمعات إنسانيًا وثقافيًا، وقد يفتح أيضًا آفاقًا أوسع لبناء أسر أكثر وعيًا وأجيال أكثر صحة.
عندما نضيف لونًا جديدًا إلى شجرة العائلة، فإننا لا نغيّر هويتنا ولا نتخلى عن جذورنا، بل نمنح الشجرة تنوعًا أكبر، ونمنح أبناءنا فرصة أفضل لمستقبل أكثر صحة

د. سعد خالد الدلقان

دكتوراة في الوراثه الجزيئية من جامعة نيوكاسل البريطانية، ابحاث العقم والذكورة والانجاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى