كتاب الرأي

إياكم وأمثال دكتور درش

«زاوية منفرجة»

عندي لأرشيف ضخم من القصاصات الصحفية، يعود الى عصر ما قبل الانترنت، ظللت على مدى سنوات أعود إليه لأستقي منه مادة لمقال يومي او اسبوعي، وأقوم بالتنقيب في تلك القصاصات من وراء ظهر زوجتي، لأنها لو رأتني أفلفل تلك الأوراق المهترئة في معظمها، فقد تحسب أنني أعد لها “سحرا”، كي تطنش موضوع اقتراني بالممثلة نبيلة عبيد

في ذلك الأرشيف وجدت حكاية م. ف. مصطفى، وهو طبيب أسنان مصري، أتاه المواطن المصري س. وهو يعاني من ألم رهيب في ضرس ملتهب، وتقرر خلع الضرس، وقام الدكتور مصطفى بحقن س بالمخدر (البنج)، ولكن ما ان شرع في خلخلة الضرس حتى صاح س متألما. وضع الدكتور الكلابات جانبا، وحقن س ببنج إضافي، ثم جدد محاولة خلع الضرس ولكن س أصدر صرخة بقوة 7 درجات على مقياس ريختر، بدليل ان الآليات المرعبة التي توجد في حافة كرسي الأسنان، الذي يذكرني بكرسي الإعدام الكهربائي عند الأمريكان، سقطت أرضا، ولكن ما ضايق الدكتور درش، هو ان بعض المرضى الذين كانوا ينتظرون دورهم تسللوا خارجين من العيادة (ومن المعروف ان معظمنا لا يلجأ إلى طبيب الأسنان إلا بعد خراب مالطة. وبعد ان يسبب التلف في الأسنان آلاما لا تطاق). قال الدكتور: أمري لله نديك حقنة بنج ثالثة. وقد كان.

هناك أمر كنت أجهله عن البنج المستخدم في عمليات الأسنان..خضعت ذات مرة لعلاج عصب في ضرس لي تالف في مستوصف في العاصمة السعودية الرياض. وكنت ارتعد من الخوف حتى قبل الجلوس على كرسي الإعدام، ولكن الطبيب طمأنني بأنني لن أحس بأي ألم أثناء “قتل العصب”. قلت له إنني أعرف ان قتل العصب تحت التخدير مؤلم مثل قطع الأذن بدون بنج، ولكنه قال: اصبر وشوف. وحقنني بالبنج وصبرت وشفت. والله غفوت لفترة قصيرة وهو يقوم بالتنقيب عن النفط في ضرسي. لم أحس بأي ألم رغم أنه كان يدخل أشياء تشبه المسامير في تجويف ضرسي التالف و”يسوط” فيه كمن يطبخ الثريد. سألته: لماذا لم أحس بالألم، بينما أكاد أبكي أثناء عمليات حشو الضرس حتى بعد ثلاث حقن من البنج..فشرح لي ان بنج عن بنج “يفرِق”. هناك بنج عالي التكلفة وقوي المفعول وهناك بنج من فصيلة خطب السياسيين مفعوله وقتي، ويستخدمه الكثير من أطباء الأسنان من باب ضغط المصروفات!

نعود الى الدكتور مصطفى الذي ما ان صرخ س بعد حقنة البنج الثالثة، وطفش كل المرضى، حتى……………. حاول ان تخمن ماذا فعل؟ وجه لكمة للمريض الذي ما ان سقط أرضا حتى انهال عليه الدكتور بالشلوت، “وفين يوجعك”، وضربه في أجزاء جسمه التي لم يحقنها بأي بنج. وخرج س من العيادة وضرسه أسوأ حالا وأضلاعه مكسورة وعضلات صدره وبطنه مهتكة. وأبشركم بأن عيادة مصطفى أُغلقت لأشهر طويلة بعد إدانته بتسبيب الأذى الجسيم. يعني تصادر الحكومات وأطباء الأسنان حقنا في الصراخ.. والله حرام!.

جعفر عباس

كاتب صحفي (ساخر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى