المقالات

طالب الدراسات العليا وهموم البداية: كيف يختار موضوع بحثه ومشرفه؟

لا يختلف اثنان على أن من أصعب ما يواجه طالب الدراسات العليا في بداية رحلته البحثية اتخاذ قرارين متلازمين: اختيار موضوع الرسالة، واختيار المشرف المناسب. فالأول يحدد المجال الذي سيقضي فيه الطالب أشهراً وربما سنوات من عمره البحثي، والثاني يؤثر إلى حد كبير في طبيعة الرحلة وما قد يواجهه خلالها من صعوبات وتحديات. وقد ينجح الطالب في اختيار موضوع مهم، لكنه يجد نفسه أمام تجربة شاقة بسبب عدم التوافق مع مشرفه، كما قد يكون العكس تماما، إذ يكون المشرف متمكناً لكن الموضوع لا يستحق الجهد الذي سيبذله الطالب فيه.

وكثيراً ما ينجذب الطالب إلى موضوع يثير اهتمامه، لكنه يكون عاما ومتشعبا، ويعتقد أنه قادر على الإحاطة بجميع جوانبه.وهنا ينبغي أن يتريث الطالب ويسأل نفسه: هل الموضوع محدد وقابل للبحث؟ وهل ينطوي على سؤال علمي يستحق الدراسة؟ فالسؤال عن أول من وصل إلى سطح القمر، مثلاً، وإن كان يثير الفضول، لا يشكل وحده موضوعا لرسالة علمية. وهل تتوافر للموضوع مصادر ومراجع كافية؟ وماذا توصل إليه الباحثون السابقون؟ وما الجوانب التي لم يتناولونها؟ ولعل أفضل ما يعينه على الإجابة هو الاطلاع على رسائل الماجستير والدكتوراه ذات الصلة، ولا سيما نتائجها وتوصياتها ومقترحاتها البحثية والتي عادة مايضمنها الباحثون في الفصل الخامس من الرسائل العلمية. ولا يقل أهمية عن ذلك أن تكون للموضوع قيمة علمية حقيقية وأن يسهم في سد فجوة معرفية أو تقديم تفسير جديد أو معالجة مشكلة لم تحظى بما تستحقه من دراسة. فالبحث العلمي ليس إعادة إنتاج لما قاله الآخرون، وإنما إضافة إلى المعرفة القائمة والبدء من والبناء على ما انتهوا إليه. وينبغي ألا تنفصل هذه القيمة عن إمكانات الطالب وقدراته والوقت المتاح له.

أما اختيار المشرف، فلا يقل أهمية عن اختيار الموضوع، وربما يكون أكثر تأثيرا في تجربة الطالب اليومية. فالمشرف هو المستشار والمرشد والشريك في هذه الرحلة العلمية الطويلة ويحتاج أن يكون ذا خبرة عالية وتمكن علمي وأخلاق مهنية ودبلوماسية في التوجيه والتواصل،، فالطالب يحتاج إلى مشرف قريب منه نفسيا، يستمع إلى وجهة نظره ويتفهم تساؤلاته ويحترم وقته بحيث لا يترك ما يصله من الطالب معلقا أسابيع أو أشهرا دون مراجعة. ولكي يحقق ذلك، لا ينبغي أن يكون مثقلاً بالعديد من الرسائل التي يفوق قدرته على متابعتها،. فالإشراف مسؤولية علمية تتجاوز كونها إضافةسطر إلى سيرته الذاتية وسجله الأكاديمي.

ولعل أهم ما ينبغي أن يتسم به المشرف هو احترام استقلالية الباحث. فليس من المفترض أن يكون الطالب نسخة علمية مكررة من مشرفه، أو أن يتبنى مدرسته النظرية ومواقفه الفكرية لمجرد أنه يشرف عليه. فالبحث العلمي يقوم على السؤال والمناقشة والاختلاف، ومن حق الطالب أن يطرح أفكارا ورؤى لا تتفق مع توجهات مشرفه، ما دام يستند إلى أدلة ومبررات علمية سليمة، حتى وإن لزم الأمر أن يدافع عن وجهة نظره منفردا في مناقشة الرسالة، لاحقا.
وقد يتمسك الطالب أحياناً بنقطة يراها مهمة في بحثه، بينما لا يرى المشرف فيها أهمية كافية. وهنا ينبغي أن يكون الحوار العلمي هو الفيصل، حيث يناقش المشرف طالبه ويوضح وجهة نظره ويبين له ما قد يترتب على اختياره من آثار منهجية، دون أن يجعل المشرف رأيه الشخصي نهاية للنقاش. فإذا كانت لدى الطالب مبررات علمية مقنعة، ولم يكن في اختياره إخلال بسلامة البحث، فمن حقه أن تكون له الكلمة الأخيرة،،فهو الباحث المسؤول عن عمله وهو الأكثر اطلاعا من مشرفه على معظم ( إن لم يكن جميع الدراسات السابقة في مضمار بحثه)، ومن المهم في هذه المرحلة أن يتعلم الدفاع عن اختياراته بالحجة والدليل.فالرسالة العلمية ليست إنجازا للمشرف وحده ولا عملا فرديا معزولا عن توجيهه، وإنما جهد يقوم به الطالب ويتحمل مسؤوليته ويسهم المشرف في ضبط مساره ورفع جودته.
وأحسب أن نجاح العلاقة بينهما لا يقاس بعدد الملاحظات التي يقدمها المشرف، وإنما بما تسهم فيه من بناء باحث مستقل، يمتلك أدوات التفكير والتحليل، ويستطيع أن يناقش ويختلف ويدافع عن رأيه بالحجة والدليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى