
لم تعد ثروة الأمم تُقاس بما تختزنه أرضها من موارد فحسب، بل بما تملكه عقول أبنائها من معرفة وقدرة على الابتكار والإنتاج. ففي عالم يتسارع فيه التقدم التقني وتتبدل فيه احتياجات المهن، يصبح التعليم الجامعي مطالبًا بأن يتجاوز دوره التقليدي، ليكون شريكًا فاعلًا في صناعة الاقتصاد وبناء المستقبل.
يُعرَّف الاقتصاد المعرفي، في معناه المبسط، بأنه إنتاج المعرفة وتسويقها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. والجامعات هي الحاضن الأهم لإنتاج المعرفة؛ لذلك ينبغي أن تتجه البحوث الجامعية إلى الابتكار والتطبيق، وأن تتوافر لها البيئة التي تساعد على تحويل نتائجها إلى براءات اختراع ومنتجات وخدمات قابلة للتسويق. وبهذا لا تقتصر قيمة البحث العلمي على إثراء المعرفة أو دعم الترقيات الأكاديمية، بل تمتد إلى خدمة المجتمع، وتنمية الاقتصاد، وتوفير موارد مالية إضافية للجامعة.
ومن هنا تبرز أهمية تنويع مصادر دخل الجامعات، وعدم الاقتصار على الميزانيات الحكومية، وذلك من خلال الاستثمار في مخرجات البحث العلمي، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، واستقطاب الهبات والتبرعات، وتطوير الأوقاف الجامعية وغيرها من الموارد المستدامة. فالجامعات العالمية الرائدة تقدم نماذج متنوعة في هذا المجال؛ إذ تعتمد على مزيج من عوائد الأوقاف، والتبرعات، والبحوث، والرسوم الدراسية، والخدمات والاستثمارات.
وتُعد جامعة هارفارد مثالًا بارزًا على تنوع الموارد المالية للجامعات؛ فقد أظهرت بيانات عام 2020 حجمًا كبيرًا لإيراداتها وأوقافها، إلى جانب ما تحققه من عوائد البحث العلمي والتبرعات ورسوم الدراسة والسكن الجامعي. ولا تكمن أهمية هذه التجربة في أرقامها وحدها، بل في الدرس الذي تقدمه: أن الجامعة تستطيع، بالتخطيط طويل الأمد وحسن استثمار المعرفة والأصول، أن تعزز استقلالها المالي وتوسع أثرها العلمي والمجتمعي.
وفي المملكة، نشهد ـ ولله الحمد ـ خطوات في هذا الاتجاه، ومن أمثلتها تنامي الاهتمام بالأوقاف والاستثمارات الجامعية، ومنها تجربة جامعة الملك سعود. ومن شأن تطوير هذه الموارد، إلى جانب تمكين الجامعات من إدارة شؤونها بكفاءة ومرونة، أن يفتح آفاقًا أوسع أمامها لتطوير البحث والابتكار، وتعزيز قدرتها على الإسهام في التنمية.
أما الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية، فهو مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل. فالرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي تقوم على تنويع مصادر الدخل، والانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية وحدها إلى اقتصاد تتقدم فيه المعرفة والمهارة والابتكار. وإذا كانت موارد الأرض محدودة، فإن ما يستطيع العقل الإنساني إنتاجه من أفكار وحلول لا تحده حدود.
ولهذا لم يعد كافيًا أن يتخرج الطالب وهو يمتلك المعارف النظرية وحدها؛ فسوق العمل يحتاج إلى خريج يجمع بين المعرفة التخصصية والمهارات الرقمية، والقدرة على التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل ضمن فريق والتعلم المستمر. فالطبيب، على سبيل المثال، يحتاج اليوم إلى مواكبة التقنيات الطبية وتحليل البيانات والتطورات المتلاحقة في تخصصه، وينطبق ذلك على سائر التخصصات العلمية والإنسانية.
ومن ثم، فإن على الجامعات أن تنتقل من التركيز على التلقين إلى التعليم القائم على التأهيل والتمكين، وأن تعزز التدريب العملي والتعلم التطبيقي والشراكة مع جهات التوظيف، وأن تراجع برامجها بصورة مستمرة وفق التحولات المهنية والتقنية. فالغاية ليست تخريج أعداد من الحاصلين على الشهادات فحسب، بل إعداد كفاءات قادرة على العمل والإبداع، والمبادرة وريادة الأعمال، والمشاركة في بناء اقتصاد وطني متجدد.
إن احتياجات سوق العمل في عام 2030 لن تكون امتدادًا مطابقًا لاحتياجاته اليوم؛ فالمهن تتغير، وبعض الوظائف تتراجع، وأخرى جديدة تنشأ مع كل تحول تقني ومعرفي. ولذلك فإن نجاح الجامعات لا يقاس بما تمنحه من شهادات فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وصناعة الفرص، وإعداد الإنسان الذي يستطيع أن يتكيف مع المستقبل ويصنعه. فحين تستثمر الجامعة في العقل، فإنها لا تبني مستقبل خريجيها وحدهم، بل تسهم في بناء ثروة الوطن.
