اختصرت علينا شركة الاتصالات السعودية (stc) مسافةً طويلةً من الشرح، وأعفتنا من عناء استدعاء المفردات، حين أوجزت في إشعار عن استنفاد الحد الائتماني ما قد تعجز عن بيانه صفحات من العتاب. وما أبلغ هذا التعبير حين يتجاوز سياقه التقني، ليغدو وصفًا دقيقًا لما تؤول إليه بعض العلاقات الإنسانية!
فكم من إنسان استنفد رصيده من الثقة، واستنزف ما مُنح من فرص، وتجاوز حدود الاحتمال، حتى لم يعد في النفس متّسع لمزيد من التبرير، ولا في القلب استعداد لمنحه فرصة أخرى. وكم من علاقة لم يُنهها موقف واحد، وإنما أنهكها تراكم المواقف، حتى جاء آخرها ليعلن نفاد ما ظنّ صاحبه أنه لا ينفد.
ولولا هذا التعبير البليغ، لاضطررنا إلى الإسهاب في شرح ما أفسدته التصرفات، وتعداد ما استهلكته الخيبات، واستحضار تاريخ طويل من التغاضي والتجاوز، وربما احتجنا إلى مرافعة كاملة لإقناع الطرف الآخر بأن للصبر نهاية، وللثقة حدودًا، وللتسامح رصيدًا لا يجوز استنزافه إلى ما لا نهاية.
والأجمل في هذا التعبير أنه لا ينفي وجود رصيد سابق، بل يؤكد أنه كان موجودًا، وأن صاحبه استنفده حتى نهايته؛ فالمشكلة ليست في شحّ ما مُنح، وإنما في سوء ما استُهلك. وهنا تتجلى دقة المعنى؛ إذ لا يُقال لمن لم يُمنح شيئًا إنه استنفده، ولا يُلام من أغلق بابًا ظلّ مفتوحًا حتى أُسيء استعماله.
ولعل أشدّ ما يسيء به بعض الناس إلى أنفسهم أنهم يخلطون بين سعة الصدر وانعدام الحدود، وبين تكرار الصفح وضمان استمراره، حتى إذا انتهت المساحة التي أُتيحت لهم، استغربوا النهاية، ونسوا أنهم كانوا يكتبون أسبابها بأيديهم.
شكرًا stc، فقد منحتِنا وصفًا بليغًا لكل من ظنّ أن أرصدة الثقة لا تنفد، وأن الصبر اشتراك مفتوح بلا سقف.
فبعض العلاقات لا تحتاج إلى عتاب أخير، ولا إلى بيان مطوّل، ولا إلى استعراض سجلّ طويل من المواقف؛ ذلك أن البلاغة تبلغ أحيانًا غايتها حين تستغني عن الشرح، ويبلغ الصمت تمام معناه حين تسبقه كلمة فاصلة.
وحين تنتهي الأرصدة، لا يعود السؤال عمّا قيل في الختام، بل عمّا فُعل طوال الطريق حتى استُنفد كل ما كان يستحق البقاء.
ويكفي أن نستعير من إشعار stc معناه، لنقول لمن استنفد رصيده من الثقة والفرص: «لقد استنفدت حدّك الائتماني».

