كتاب الرأي

قربة الماء في الماضي لغة ترشيد المياه

في واقع الأمر فإن المياه ليست مجرد سائل يروي الظمأ أو وسيلة للنظافة والطهارة إنها نعمة عظيمة وثروة وطنية استراتيجية، وكنز غالٍ لا يقدر بثمن. إنها شريان الحياة الذي ينبض في تفاصيل يومنا وبفقده تفقد الحياة معناها. ولكن بكل أسف ما الذي نراه في واقعنا اليوم؟ لقد تحولت النعمة في أيدي البعض إلى عادة روتينية تُهدر بلا مبالاة. نرى ممارسات سلبية تتكرر يومياً وتؤلم القلب قبل العين، وتفجر في النفس أسىً وانفعالاً شديداً، حتى لو صدر ذلك ممن يُتوقع فيهم العلم والمعرفة. ففي الماضي كانت (قربةُ الماء) المصنوعة من الجلد تكفي الأسرة بكاملها للوضوء، والطبخ، والغسيل، والشرب لمدة ثلاثة أو أربعة أيام كاملة. وكان الرجل يتوضأ ب(مدٍّ) من الماء، والجزء البسيط منه يكفي للطهارة، بل إن السلف الصالح كانوا يتوضؤون بالمد، ويغتسلون بالصاع، ويحذرون من الإسراف حتى ولو كان المرء على نهر جارٍ. ويمكن أن نتذكر صورة من كانوا يقومون بالسقاية في مكة شرفها الله عندما كان حمل قطرة الماء بطولات تكتب على الأكتاف. وكيف كانت معاناتهم ولك أن تخيل ذلك المشهد الذي يُدمع العين ويهز الوجدان. فقد كان في مكة المكرمة -شرفها الله- رجال اتخذوا من حمل الماء مهنة شريفة وتضحية يومية، كانوا يسمّون (السقاءين) يحملون على أكتافهم قُلتين أو(تنكتين) من الصاج مربوطتين بعمود خشبي يُسمى (المحمل)، ويتوسط العمود أكتافهم للتوازن وعليه أن يصعد بهما إلى أعالي جبال مكة الوعرة، في أزقتها الضيقة، ودرجها الحجري، ليصل إلى البيوت في أعلى الجبال. هذا لم يكن مجرد عمل يؤدى مقابل أجر، بل كان خدمة للحرمين وأهليهما وزوارهما، وصبراً على المشقة في طلب إرواء عطش الآخرين، وإيماناً عميقاً بأن سقي الماء من أفضل الأعمال عند الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة سقي الماء). أما في وقتنا الحاضر فهناك خزانات الأربعين طناً وإنجاز مشاريع التحلية حيث يتم ملء خزانات المياه في المنازل بـ 30 و40 طناً ومع ذلك تجد (العجب العجاب) في إهدار هذه الثروة العظيمة.
ولكن في خضم هذا الأسى على الهدر لا بد أن نقف وقفة شكر وامتنان لدولتنا المباركة أعزها الله التي أنجزت إنجازاً عظيماً ورائعاً قد لا يوجد مثيله في كثير من دول العالم فلقد استفادت من مياه البحر، وأقامت مؤسسات عملاقة لتحلية المياه، حتى أصبحت هذه المياه العذبة تصل إلى كل منزل في بلادنا بسهولة ويسر. فهناك دولٌ كثيرة تعاني من شح المياه، وتنتظر قطرات المطر على أحر من الجمر. ودول أخرى تبذل جهوداً خارقة لتوفير المياه لمواطنيها، وقد لا تصل المياه إلى كل البيوت. أما بلادنا ولله الحمد فقد جعلت من البحر المالح (ينابيع عذبة) تتدفق في أنابيب لتصل إلى كل بيت، في كل قرية ومدينة دون استثناء.
فلماذا قست قلوبنا على النعمة؟ وكيف حدث هذا التحول المخيف؟
حيث تحولنا من مجتمع كان يقنع بـ(قربة ماء) و(تنكتين من الماء) تحمل على الأكتاف إلى مجتمع يهدر (أربعين طناً) ثم تبدأ الشكوى من الشح؟ إنها قسوة القلب ونسيان النعمة، عندما تصورنا أن الماء مجرد سلعة تشترى لا أمانة تحمل.
وقد بين لنا القرآن الكريم الميزان الذهبي ﴿وَكلوا َاشربوا ولا تسرفوا إِنه لا يحبُ المسرفين﴾ [الأعراف: 31].
وبالتأمل في هذه الآية الكريمة ندرك أن الله لم يمنعنا من الأكل والشرب، بل أمرنا بهما، لكنه وضع شرطاً واحداً لا يتجزأ (ولا تسرفوا). فالإسراف في الماء ليس مجرد خطأ بيئي أو مخالفة نظامية بل هو معصية لله ومخالفة صريحة لكتاب الله وهدر لمستقبل الأجيال. ولذلك فإن الترشيد لا يعد بخلاً بل هو عقلانية ورحمة هو رحمة بالفلاح الذي قد يجف زرعه وبالبشر في أجزاء من العالم الذين قد يموتون عطشاً. وهو أيضاً رحمة بأجيالنا القادمة الذين ربما يعانون من شح المياه في المستقبل بسبب إسرافنا اليوم. وهو كذلك احترام لنعم الله فالشكر يكون بالحفاظ على النعمة لا بإهدارها. وهذه والله من أعظم النعم التي تتطلب الشكر. والشكر ليس باللسان فقط، بل بالعمل والمحافظة عليها والحرص على الاستخدام الرشيد لها. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: (بالشكر تدوم النعم وبالكفر تفر).
فإن نحن شكرنا هذه النعمة بالحفاظ عليها وترشيدها دامت لنا وتوارثتها الأجيال القادمة. وإن نحن كفرنا بها وأهدرناها فرت وذهبت.
وأختم مقالي بتقديم مجموعة من المقترحات منها وضع لوحات توعوية عند مواضع الوضوء في المساجد وتذكير الناس في خطب الجمعة بأهمية الترشيد. وإدراج ثقافة ترشيد المياه ضمن المناهج والأنشطة الطلابية. محاولة استخدام الأدوات الموفرة للمياه (كالكسارات والقطع الموفرة) في المنازل، والاستفادة من التقنية الحديثة في كشف التسربات فور حدوثها. الاستفادة من تدوير المياه في المنازل والحدائق العامة لري النباتات بدلاً من استخدام المياه الصالحة للشرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى