كتاب الرأي

موقف طريف من سنوات الغربة

ليس الارتحال في طلب العلم انتقالًا من بلد إلى بلد فحسب، ولا هو رحلة تنتهي بالحصول على شهادة علمية؛ إنه سفرٌ يوسّع أفق الإنسان، ويهذّب نظرته إلى الحياة، ويضعه أمام لغات وثقافات وعادات وطبائع لم يألفها من قبل. وفي بلاد الغربة، يتعلّم الطالب أن المعرفة لا تسكن الكتب وحدها، بل تتجلّى أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الحوار مع الآخرين، وفي القدرة على التكيّف واحترام الاختلاف. ومن أحسن الإفادة من هذه التجربة عاد بشهادة يعلّقها على الجدار، وخبرة إنسانية تبقى راسخة في الذاكرة.

وقد أشار ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، إلى أثر الارتحال في طلب العلم، إذ تُتداول عنه عبارة: «إن الارتحال في طلب العلم هو مزيد كمال في العلم». فالسفر يضيف إلى التحصيل الأكاديمي معرفةً بالناس والحياة، ويمنح صاحبه مواقف لا تنسى، بعضها عميق الدلالة، وبعضها الآخر طريفٌ يظلّ مصدرًا للابتسام بعد مرور السنين.

وفي كتابي «سنوات الدال»، الذي يروي جانبًا من سيرتي ومسيرتي خلال رحلتي إلى جامعة ويلز في بريطانيا للحصول على شهادة الدكتوراه، مواقف كثيرة بقيت حاضرة في الذاكرة. ومن أطرفها موقفٌ جمعني بزميل ماليزي يُدعى «سحر محمود»، حين كنا في البعثة، وكان يشاركني غرفة الدراسة في المبنى الذي نقيم فيه.

ومن الطريف أن اسم «سحر» يُطلق في ماليزيا على الذكور والإناث. وكنت، كلما اتصل بي بعض الزملاء العرب يسألون عني أو يدعونني إلى مجلس اجتماعي أو ترفيهي، أعتذر أحيانًا بقولي إنني مشغول قليلًا مع «سحر». ولم أكن أدرك أن هذه العبارة تثير الريبة في نفوسهم، وأن خيال بعضهم بدأ ينسج حولها قصصًا لا أساس لها!
وبلغ الأمر بأحد الزملاء أن بالغ في ظنونه؛ فتسلّل على أطراف أصابعه، ثم فتح باب الغرفة فجأة، وكأنه يريد أن يكشف سرًّا خطيرًا. لكنه فوجئ بشاب آسيوي قصير القامة، ملتحٍ، يجلس في الغرفة بكل هدوء. وكانت المفاجأة الأكبر حين أوضحت له أن هذا هو «سحر محمود»، زميلي الماليزي وشريكي في الغرفة، وأن الاسم الذي أقلقه

ليس إلا اسمًا شائعًا للرجال والنساء في ماليزيا!
تحوّل الموقف بعد ذلك إلى طرفة يتداولها الزملاء بين حين وآخر، وكلما استعادوها عاد الضحك من جديد. وهكذا علّمتني سنوات الغربة أن اختلاف الأسماء والثقافات قد يصنع مواقف لا تخطر على البال، وأن أجمل ما في رحلة العلم ليس الشهادة وحدها، بل ما تمنحه لنا من خبرات وصداقات وذكريات إنسانية تظلّ معنا طويلًا.

ضيف الصورة – سحر

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى