
صدر عن دار متون للنشر بلندن كتاب «آخر تمريرة: نهاية عصر السوشيال ميديا وبداية عصر الوكلاء»، للكاتب والصحفي السعودي طراد الأسمري، بالتزامن مع تدشين الكتاب، ليقدم قراءة فكرية وتحليلية في أحد أبرز التحولات التقنية المرتقبة: انتقال سلطة الاختيار من خوارزميات المنصات الاجتماعية، التي ترتب ما يشاهده الإنسان، إلى الوكلاء الأذكياء القادرين على تحديد ما يستحق الوصول إليه، واتخاذ قرارات وتنفيذ مهام بالنيابة عنه.
وينطلق الكتاب من سؤال يضعه مؤلفه في صدر صفحاته: «من يملك حق اختيار ما يصل إلى وعي الإنسان؟». ومن هذا السؤال يعيد قراءة تاريخ الإعلام بوصفه تاريخًا لانتقال سلطة الاختيار؛ من محرر الصحيفة الذي يقرر ما يُنشر، إلى خوارزمية المنصة التي تحدد ما يظهر، وصولًا إلى الوكيل الذكي الذي قد يختار بالنيابة عن صاحبه ما يقرأ، وما يشتري، وما يتجاهل، بل وما يُنجز دون الرجوع إليه في كل خطوة.
ويقدم الأسمري مفهوم «طبقة القرار» بوصفه الحلقة المقبلة في تطور الوساطة الرقمية. فإذا كانت مواقع التواصل قد استحوذت على اهتمام المستخدم عبر الخلاصات اللامتناهية، فإن الأنظمة الوكيلة تعده بتوفير الوقت والجهد عبر تلخيص العالم والتصرف فيه. وهنا تنشأ مفارقة جوهرية يناقشها الكتاب: كلما ازدادت قدرة التقنية على إراحة الإنسان من الاختيارات اليومية، ازدادت أهمية معرفة الجهة التي تضبط أهدافها وتحدد المعلومات والبدائل التي تعرضها عليه.
ويرى الكتاب أن التحول المقبل يتمثل في تراجع مركزية «التمرير» بوصفه وسيلة الوصول إلى العالم، مع احتمال أن تكون شركات التواصل الكبرى نفسها من يقود المرحلة الجديدة. وفي هذا السياق، تتغير طبيعة المنافسة الرقمية من اجتذاب انتباه المستخدم إلى التأثير في القرارات التي يتخذها وكيله الذكي.
ويقع الكتاب في نحو 274 صفحة من القطع الكبير، موزعة على خمسة أبواب تضم تسعة وعشرين فصلًا، يتتبع فيها المؤلف نشأة سلطة حراس البوابة في الصحافة، وصعود اقتصاد الانتباه، وأزمات نموذج الخلاصة، ثم ينتقل إلى ذاكرة الوكيل الذكي وقدرته على التفاوض والشراء، وما قد يصاحب ذلك من «وصاية مريحة» تتسع تدريجيًا تحت شعار خدمة المستخدم.
ويخصص الكتاب مساحة مهمة لمستقبل الصحافة في عصر الوكلاء، وللمعرفة التي قد تتراجع فرص وصولها إلى الجمهور عندما تتولى الأنظمة الذكية تحديد ما يستحق القراءة. كما يناقش مستقبل الإعلان والتسويق عندما يتحول المستهدف من إنسان يشاهد الرسالة الإعلانية إلى آلة تفحص الخيارات وتتخذ قرار الشراء.
ويتجاوز العمل الجانب التقني إلى الاقتصاد والسياسة، من خلال تحليل دور الرقائق والطاقة ومراكز البيانات وسيادة الحوسبة في توزيع النفوذ العالمي. ويتوقف عند المفارقة الخليجية بين كثافة استخدام المنصات وقوة الأسواق المحلية، وبين تصنيف بعض هذه الأسواق ضمن فئات إحصائية واسعة، وما قد يترتب على ذلك من تفاوت في الاستثمار بالخدمات والمحتوى واللغة.
ومن السمات المميزة للكتاب إخضاع توقعاته المستقبلية للمساءلة، عبر رهانات ذات مواعيد محددة ودرجات ثقة وشروط واضحة لإثبات الخطأ. ويعرض المؤلف أيضًا حججًا مضادة لأطروحته، تتعلق بارتفاع تكلفة تشغيل الوكلاء وقدرة المنصات القائمة على تجديد نفسها.
وتتناول الفصول الختامية قضايا إنسانية مثل «الحق في المفاجأة» و«الملل بوصفه ترفًا» وحدود التفويض للآلة، وصولًا إلى السؤال الأعمق: ما الذي ينبغي أن يحتفظ الإنسان بحق تقريره بنفسه مهما بلغت كفاءة الذكاء الاصطناعي؟
وتنبع أهمية «آخر تمريرة» من جمعه بين تاريخ الإعلام وتحليل التحولات التقنية والاقتصادية، وتقديمه للقارئ العربي إطارًا لفهم السلطة الجديدة التي تتشكل حول المعرفة والاختيار والقرار.
ويأتي الإصدار ضمن المشروع التأليفي لطراد الأسمري، الذي أمضى نحو ثلاثة عقود في الصحافة والإنتاج الإعلامي، ومن مؤلفاته «الأرض بلا بشر» و«عقل الظلال» و«كيف تفكر القطط؟» و«الرسائل العشرون».







