كتاب الرأي

الجامعة في قبضة السوق

استمتعتُ بقراءة كتاب «الأكاديميا المظلمة: هكذا تموت الجامعات» للأكاديمي بيتر فلمنغ، الذي يناقش التحولات البنيوية في التعليم العالي، ويطرح تساؤلات حول العلاقة بين المعرفة والاقتصاد، وحدود استقلال الجامعة في ظل تصاعد منطق السوق.
ينطلق فلمنغ من فكرة أن جائحة كورونا لم تُنشئ أزمة الجامعات، بل كشفت عن اختلالات سابقة، ارتبطت بتنامي النزعة التجارية والبيروقراطية الإدارية، وإعادة تعريف التعليم بوصفه خدمة اقتصادية. غير أن قوة هذه الأطروحة لا تعني التسليم بجميع استنتاجاتها؛ فالنقد يظل بحاجة إلى التمييز بين التحولات التي فرضتها الضرورات التنظيمية والتقنية، وبين ما قد يؤدي فعلًا إلى إضعاف الرسالة الأكاديمية.
ويتمثل أحد محاور الكتاب في نقد إخضاع البحث العلمي لمؤشرات الإنتاجية، من حيث النشر والاستشهاد والتمويل والتصنيف. وهي قضية تثير تساؤلًا جوهريًا حول مدى قدرة المعايير الكمية على التعبير عن القيمة النوعية للمعرفة. فليس كل بحث قليل الاستشهاد محدود الأهمية، كما أن كثرة الإنتاج لا تضمن بالضرورة أصالة الإسهام العلمي.
وتتجاوز هذه الإشكالية السياق الغربي لتفتح مجالًا للنقاش حول الجامعات العربية، ولا سيما السعودية، في ظل التحولات التي يشهدها التعليم العالي ضمن رؤية 2030. فالتطوير المؤسسي، والتنافسية، والتحول الرقمي، والارتباط بسوق العمل، كلها توجهات ضرورية، لكنها تستدعي تأملًا في كيفية المواءمة بينها وبين استقلال البحث وحرية التفكير.
إن التحدي لا يكمن في رفض منطق السوق أو الانعزال عن متطلبات التنمية، بل في منع تحوله إلى معيار وحيد لتقييم الجامعة.
فالجامعة ليست نقيضًا للتنمية الاقتصادية، لكنها تفقد جانبًا من رسالتها حين تُختزل المعرفة في قيمتها السوقية، ويُقاس نجاحها بما تنتجه من عوائد، لا بما تسهم به في بناء العقل والوعي والمجتمع.

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى